د.سامي العريان

  1. إن “اتفاق” غزة المُعلن عنه ليس مسارًا نحو السلام أو الاستقرار، بل هو كمين استراتيجي. هو صياغة أمريكية–إسرائيلية، أُلبست ثوب اللغة الدبلوماسية ونُفِّذت عبر أطراف إقليمية منقادة، بهدف تحقيق ما عجز عنه الكيان الصهيوني بالقوة: تحييد المقاومة وإعادة تشكيل غزة تحت هيمنة أمنية إسرائيلية دائمة.
  2. ما يُسمّى “رفض” نتنياهو ليس إلا مسرحية. فهو ليس رفضًا للاتفاق، بل مطالبة بشروط أكثر قسوة—مزيد من نزع السلاح، ومزيد من السيطرة، ومزيد من الإذلال. ترامب، الساعي إلى إنجاز سياسي، وتل أبيب، الساعية إلى استعادة تفوقها الاستراتيجي، يلتقيان عند هدف واحد: انتزاع الاستسلام دون تقديم سيادة، أو انسحاب حقيقي، أو إغاثة ذات معنى للفلسطينيين.
  3. التاريخ لا لبس فيه. منذ عام 1947، لم يلتزم الكيان الصهيوني باتفاق يقيّد قوته. يوقّع ما يخدمه، ويؤجّل ما يثقله، وينتهك ما يقيّده. “وقف إطلاق النار” يتحول إلى اغتيالات موجهة، و“المساعدات” تصبح أداة للسيطرة، و“إعادة الإعمار” تتحول إلى آلية للرقابة والتبعية.
  4. في صميم هذا الاتفاق يكمن الطلب الحقيقي: ليس “جمع” السلاح، بل تفكيك المقاومة—بنيتها، وقيادتها، ومبادئها. أي تحويل شعب تحت الحصار إلى مجتمع خاضع لاحتلال وسيطرة دائمين.
  5. والحقيقة المُرّة؟ أن بعض الأطراف في المنطقة لا تقوم بدور الوسيط، بل بدور المُسهِّل—تموّل الضغوط، وتنقل الإملاءات، وتُضفي شرعية على إطار يُكرّس الاحتلال باسم جديد.
  6. فلماذا قبلت حماس به—ولو من حيث المبدأ؟ ليس ذلك سذاجة ولا تراجعًا فكريًا، بل انعكاس لواقع قاسٍ. غزة اليوم تحت حصار غير مسبوق: دمار واسع، انهيار إنساني خانق، نزوح داخلي، واستنزاف نفسي وجسدي متواصل. تعمل المقاومة في ظل قيود قصوى—عسكرية وسياسية ومجتمعية—وسط تخلي واضح من قطاعات واسعة من النظامين العربي والإسلامي، بل وحتى الدولي. إن حماس تتحرك في بيئة خانقة حيث كل الخيارات مكلفة. القبول هنا ليس تأييدًا، بل انخراط تكتيكي تحت الإكراه؛ محاولة لاختبار المسار، وتخفيف المعاناة الفورية، واستعادة هامش حركة، واستثمار التناقضات بين واشنطن وتل أبيب، خاصة في ظل ضغوطهما الداخلية.
  7. وفي الوقت ذاته، يبدو أن حماس تراهن على أن أي اتفاق—مهما كانت عيوبه—يمكن الطعن فيه أو تعطيله أو إعادة تشكيله أثناء التنفيذ، لا سيما مع توقع خروقات إسرائيلية. بهذا المعنى، يصبح القبول وسيلة لنقل عبء الفشل إلى الاحتلال، مع الحفاظ قدر الإمكان على جوهر المقاومة.
  8. إن تحفظات حركة الجهاد الإسلامي ذات دلالة عميقة؛ فهي تعكس قلقًا جوهريًا من أن العملية مُصمَّمة بنيويًا لتفضي لا إلى الإنسحاب أو الإغاثة، بل إلى نزع السلاح وتحييد المقاومة سياسيًا. ويكشف هذا التباين توترًا مركزيًا داخل الساحة الفلسطينية: كيف نوازن بين الضرورات الإنسانية العاجلة ومتطلبات البقاء الاستراتيجي طويل الأمد.
  9. أي اتفاق يبدأ بـ“أمن إسرائيل” وينتهي بخضوع الفلسطينيين ليس سلامًا ولا استقرارًا—بل استسلام. إنه استمرار للحرب بوسائل أخرى.
  10. الشعب الفلسطيني ليس ساذجًا ولا مهزومًا. لقد تعلّم، مرارًا، أن العدالة لا يمكن أن تولد من مسار يصممه خصومه. هذا ليس اتفاقًا—بل فخ، وفخ خطير. وبالرغم من كل ذلك فإن صمود ومقاومة الشعب الفلسطيني ستستمر وتتصاعد.