إيران لن تقبل حالة اللاحرب واللاسلم
ناصر قنديل/ البناء
– هل قرّرت إيران إنهاء حالة «اللاحرب واللاسلم»؟ الأرجح أن هذا هو المعنى السياسي لكلام الرئيس مسعود بزشكيان، نقلاً عن المرشد مجتبى خامنئي، عن ضرورة الخروج من هذه الحالة. لكن القرار لا يعني الذهاب فوراً إلى حرب شاملة، بل إنهاء المرحلة التي سمحت لواشنطن باستخدام التفاوض لشراء الوقت، من دون تنفيذ ما تمّ الاتفاق عليه، بينما تعمل على تغيير الوقائع في مضيق هرمز ولبنان، وتمنح بنيامين نتنياهو فرصة عبور الانتخابات الإسرائيلية من دون دفع ثمن فشل الحرب على إيران.
– بدأت طهران التفاوض على أساس مذكرة تفاهم تجمع الملفات المترابطة التي أنتجتها الحرب، وفي مقدمتها إنهاء الحرب على لبنان وضمان وحدة أراضيه وسلامتها، وتنظيم إدارة مضيق هرمز وفق تفاهم بين إيران وعُمان، إضافة إلى الملفات النووية والمالية والنفطية. لكن ما اكتشفته إيران خلال الأسابيع التالية هو أن واشنطن تريد تحويل المذكرة من إطار للتنفيذ إلى جدول أعمال لمفاوضات مفتوحة، يجري خلالها تفكيك الملفات وفصل بعضها عن بعض.
– ظهر المأزق الأول في المفاوضات الإيرانية العُمانية حول مضيق هرمز. فقد رفضت عُمان المشروع الإيراني المعروف سلفاً، والقائم على إدارة اتحادية مشتركة للمضيق، لا على تقسيمه بين منطقتي نفوذ منفردتين. رغم أن إيران لم تطلب نقل خطوط الملاحة القائمة في المياه العُمانية إلى مياهها، ولم تعترض على استمرار عبور السفن في الممر العُماني، لكنها طلبت إخضاع حركة العبور كلها، سواء مرّت في المياه الإيرانية أو العُمانية، لإدارة مشتركة لدولتي الشاطئ، تتولى تنظيم الملاحة والأمن والخدمات والرسوم، وتحول المضيق إلى مشروع مالي مشترك تتقاسم طهران ومسقط عائداته.
– لا يتعلق الخلاف، إذاً، بسيادة إيران على مياهها الإقليمية، فهذه السيادة قائمة، بل بمنعها من امتلاك القيمة الاستراتيجية لمضيق هرمز. فما يوصف بأنه «إدارة عُمانية» للممر الجنوبي ليس في الواقع سوى سيادة عُمانية قانونية تغطي إدارة أمنية تمارسها القيادة المركزية الأميركية. وقد قالت «سنتكوم» صراحة إنها تؤمّن عبور السفن وإن إيران لا تسيطر على المضيق، بينما مهّد بيان المنامة لمشروع أمني أميركي خليجي تحت شعار حرية الملاحة. وتريد واشنطن والرياض إبقاء «الممر العُماني» خارج أي إدارة مشتركة مع إيران، بحيث تستطيع «سنتكوم» تشغيله وحماية السفن العابرة فيه. وعندئذ يفقد أي قرار إيراني مستقبلي بإغلاق هرمز قيمته، مهما كانت التحولات الكبرى التي تستدعيه، لأن الأميركي يستطيع القول إن إيران أغلقت ممرها فقط، بينما بقي المضيق مفتوحاً عبر الممر العُماني.
– ظهر المأزق الثاني في لبنان. فقد نصّ البند الأول من مذكرة التفاهم على إنهاء الحرب بما يضمن وحدة لبنان وسلامة أراضيه، لكن واشنطن انتقلت بدعم سعودي إلى رعاية اتفاق لبناني إسرائيلي منفصل، يقوم على إنشاء «مناطق تجريبية» وربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح المقاومة والتحقق الإسرائيلي من نتائجه. لذلك اكتسب بيان الخارجية الإيرانية أهمية خاصة عندما اعتبر اللجنة الأميركية الإسرائيلية اللبنانية انتهاكاً لمذكرة التفاهم، التي كانت قد أنتجت إطاراً آخر يضم إيران وأميركا وقطر وباكستان ولبنان. وترى طهران أن دفن اللجنة التي تشكلت بناء على مذكرة التفاهم لحساب اللجنة الجديدة لا يمثل تغييراً إجرائياً، بل محاولة لإخراج لبنان من التسوية الإقليمية، ومنح “إسرائيل” حق الإشراف على نزع السلاح من دون التزام واضح بالانسحاب.
– ربما قرأت إيران زيارة نتنياهو إلى واشنطن بصورة مختلفة عن المشهد الذي صُدّر إلى الإعلام. فقد غابت الصورة الرسمية، ودخل نتنياهو من باب جانبي، ولم يحصل على مظاهر التكريم المعتادة. لكن الإذلال البروتوكولي لا يعني أن ترامب رفض مطالبه. والأرجح أن واشنطن ثبّتت مرجعيتها في إدارة الملف الإيراني، وطلبت من نتنياهو الابتعاد عن واجهته، لأن ظهور “إسرائيل” شريكاً ثالثاً مع أميركا في الحرب يُحرج السعودية ودول الخليج. لكن في المقابل، طمأن ترامب نتنياهو إلى أن مطالبه من إيران يمكن تحقيقها بصورة أفضل تحت مظلة بيان المنامة، الذي يطرح البرنامج الصاروخي الإيراني وعلاقة طهران بقوى المقاومة وأمن الملاحة، من دون حاجة إلى حضور إسرائيلي مباشر.
– وفق هذه القراءة، لا تحل السعودية مكان “إسرائيل” في مضمون الشروط، بل في واجهة المشروع. والأهم أن واشنطن تبدو ملتزمة بعدم التوصل إلى اتفاق يخالف هذه الشروط قبل الانتخابات الإسرائيلية والأميركية. أي إن ترامب أخذ من نتنياهو مرجعية القرار الإيراني، لكنه اشترى له في المقابل الوقت الانتخابي، ومنحه هامشاً للعمل المنفرد في لبنان. خسر نتنياهو الصورة، لكنه ربح الوقت.
– هنا تظهر دلالة التحركات الميدانية المتزامنة. فقد استهدفت إيران أولاً قواعد أميركية في الأردن بالصواريخ. وفي مسار موازٍ، أعلنت السعودية اعتراض مسيّرات قالت إنها انطلقت من العراق واستهدفت منشآتها النفطية في المنطقة الشرقيّة. بعد ذلك شنت الولايات المتحدة والسعودية غارات مشتركة على مواقع للحشد الشعبي في العراق، قالت الرياض إنّها جاءت رداً على استهداف منشآتها النفطية، بينما ربطتها واشنطن أيضاً بالهجمات على قواتها. وأدّت الغارات إلى سقوط ما لا يقلّ عن عشرين شهيداً، وإلى إدانة عراقية وإلغاء زيارة كانت مقرّرة لرئيس الحكومة العراقية إلى السعودية. وهكذا انتقلت الرياض علناً من موقع الوسيط أو الداعم السياسي إلى موقع الشريك العسكري المباشر في قصف إحدى ساحات محور المقاومة.
– في اليمن، لم تبدأ جولة التصعيد بقرار من أنصار الله، بل جاءت بعد قصف مطار صنعاء لمنع هبوط طائرة إيرانية. فكُسر هدوء استمر سنوات، وعادت الصواريخ والمسيّرات اليمنية إلى استهداف السعودية، واتسعت المواجهة إلى منشآتها النفطية وحركة ناقلاتها في باب المندب. أما في لبنان، فأعلن الجيش الإسرائيلي أن حزب الله استهدف بمسيّرة مفخخة آلية هندسية غير مأهولة في مرتفعات علي الطاهر. لم يتبنَّ حزب الله العملية رسمياً، ولذلك تبقى في إطار الرواية الإسرائيلية. لكنها، إذا ثبتت، تعني استهداف قوات احتلال داخل الأراضي اللبنانية، وتحمل رسالة بأن تحويل «المنطقة الأمنية» إلى أمر واقع لن يمرّ بلا مقاومة.
– هذه الوقائع تشكل مؤشرات متقاطعة على أن إيران وقوى المقاومة لم تعد مستعدة لمنح واشنطن الوقت مجاناً. فمن هرمز إلى الأردن والعراق، ومن اليمن إلى لبنان، تتشكل معادلة هدفها تخيير النواة الأميركية السعودية بين الحرب والسلم. وللسلم ترجمة واضحة، هي العودة إلى مذكرة التفاهم، وفي مقدمتها إنهاء الحرب على لبنان والانسحاب الإسرائيلي وضمان وحدة أراضيه، والقبول بإدارة إيرانية عُمانية مشتركة لمضيق هرمز. أما استمرار التفاوض من أجل تأجيل الاتفاق إلى ما بعد الانتخابات، فسوف يُواجه بتصعيد متدرّج يجعل الوقت الذي اشتراه ترامب لنتنياهو زمناً مكلفاً لهما، لا هدنة مجانيّة.
