ولعن الله أمةً سمعت بذلك فرضيت به.. الصمت لا يصنع البراءة !

رسول حسين ابو السبح
ليست المأساة في القصف وحده، بل في الصمت الذي يحيط به، فكم من جريمة كبرى ما كانت لتستمر لولا جمهور اختار أن يقف في المنطقة الرمادية، يراقب الدم من بعيد، ويقنع نفسه أن الحياد فضيلة، وأن عدم الانحياز يبرئ الذمة.
عندما تعرض العراق للقصف الأمريكي، بمشاركة ودعم من قوى إقليمية، أبرزها السعودية، لم يكن السؤال الحقيقي من ألقى القنابل؟ بل كان أين وقف الآخرون؟ ومن اكتفى بالمشاهدة؟ ومن اعتبر أن ما يجري لا يعنيه؟
إن ثقافة أهل البيت عليهم السلام لم تؤسس مفهوم الولاية بوصفه شعارًا مجردًا، بل جعلته موقفًا، كما جعلت البراءة موقفًا كذلك، فلا يكتمل التولي إلا بالتبري، ولا معنى للانتماء إلى الحق إذا عجز الإنسان عن إعلان موقفه من الباطل.
ولهذا جاء في زيارة عاشوراء «ولعن الله أمةً سمعت بذلك فرضيت به»، فاللعنة لم تتوجه إلى من باشر الجريمة فقط، بل امتدت إلى من رضي بها، أو تعامل معها بلا اكتراث، أو آثر السلامة الشخصية على كلمة الحق.
إن الحياد أمام العدوان ليس مساحة أخلاقية آمنة كما يتصور البعض، بل قد يتحول إلى غطاء يمنح المعتدي مزيدًا من الوقت، ويترك الضحية وحيدة في الميدان، فحين يسقط الوطن تحت النار، يصبح الصمت موقفًا، والامتناع عن اتخاذ موقف قرارًا له أثره.
ومن يظن أن الاكتفاء ببيان إدانة أو كلمات عامة سيمنحه حصانة دائمة، فليقرأ التاريخ جيدًا، فالسياسات التي تبنى على الهيمنة لا تكتفي بخصم واحد، بل تتوسع كلما وجدت طريقًا مفتوحًا، ومن يتخيل أن دوره لن يأتي لأنه لم يقاوم، قد يكتشف متأخرًا أن الصمت لم يكن ضمانة، وإنما تأجيلًا للمواجهة.
لقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن الرهان على الشراكة مع الولايات المتحدة بوصفها ضامنًا دائمًا للمصالح، هو رهان بالغ التعقيد، وأن العلاقات الدولية تحكمها المصالح المتغيرة لا العواطف ولا الوعود، والدول الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، تتعامل وفق حسابات القوة والنفوذ، فتتحالف حين تقتضي مصلحتها، وتتخلى حين تتغير تلك المصلحة، ومن يقرأ تاريخ المنطقة يدرك أن الثقة المطلقة بأي قوة خارجية لا تصنع استقلالًا، بل قد تجعل القرار الوطني رهينة لتوازنات لا يملكها أصحابه.
إن الأمم لا تنهض بالحياد عندما تتعرض سيادتها للانتهاك، ولا تصنع مستقبلها بالرهان على من سبق أن أثبت أن أولوياته ليست أولويات شعوب المنطقة، فالوعي الحقيقي يبدأ حين يدرك الإنسان أن الدفاع عن الحق ليس شعارًا موسميًا، وإنما مسؤولية أخلاقية وسياسية.
قد يختلف الناس في التحليلات، وقد تتباين المواقف السياسية، لكن هناك لحظات يصبح فيها الصمت نفسه موقفًا، ويصبح التردد مشاركة غير مباشرة في صناعة الهزيمة، فالتاريخ لا يسجل أسماء من ضغطوا على الزناد فقط، بل يسجل أيضًا أسماء الذين شاهدوا المأساة واختاروا ألا يقولوا كلمة حق.
ولهذا بقي ذلك النداء الخالد يتردد عبر الأجيال، لا ليؤرخ لمأساة مضت، بل ليحاكم كل جيل أمام امتحانه الأخلاقي: «ولعن الله أمةً سمعت بذلك فرضيت به».