لم يكن التقرير الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز حول توقيع مئات الشخصيات الأردنية رسالةً مفتوحة تُطالب بسحب القوات الأمريكية مجرد خبر صحفي عابر، بل كشف عن تحول بنيوي عميق في الخطاب السياسي الأردني. المبادرة، التي جمعت سياسيين سابقين، وقانونيين، وأكاديميين، وشخصيات عامة، نقلت ملف التواجد العسكري الأجنبي من أروقة الهتاف الشارعي والمظاهرات الموسمية إلى قلب النقاش السياسي والنخبوي المباشر، متجاوزةً أحد أكثر الخطوط الحمراء حساسية في تاريخ المملكة الحديث.
التحول البنيوي: من الشارع إلى التكتل النخبوي
تكمن أهمية هذه الرسالة المفتوحة في طبيعة القوى الموقّعة عليها وفي التوقيت السياسي المعقد الذي جاءت فيه. التاريخ السياسي الأردني شهد دائماً احتجاجات شارعية ومواقف حزبية تقودها قوى المعارضة التقليدية، وكان يتم التعامل معها واحتواؤها ضمن أطر أمنية وسياسية محددة. غير أن دخول شخصيات محسوبة على أطياف متنوّعة — تتجاوز الأطر الحزبية التقليدية لتصل إلى قامات قانونية وسياسية مستقلة — سحب البساط من فكرة أن المطالبة بإلغاء التواجد العسكري هي مجرد شعار أيديولوجي راديكالي.
إن خطورة المبادرة بالنسبة للدولة لا تكمن في أعداد الموقعين فحسب، بل في شرعيتهم التمثيلية ومواقعهم القانونية والأكاديمية، مما يجعل من الصعب تصنيفهم ضمن خانة الاحتجاج الشارعي العابر. وقد ركّز الموقعون على البناء القانوني والدستوري لمطلبهم، متطرقين بشكل مباشر إلى اتفاقيات التعاون الدفاعي التي أُبرمت بعيداً عن الرقابة البرلمانية الموسعة. هذا الطرح يرفع كلفة التجاهل الحكومي، إذ يحوّل الملف من موقف سياسي انفعالي إلى محاكمة علنية لمفهوم السيادة الوطنية ومدى دستورية التواجد العسكري الأجنبي.
جذور الاحتقان: اتفاقية 2021 وتداعيات الانفجار الإقليمي
لم ينشأ هذا التكتل الشعبي والنخبوي من فراغ، بل هو نتاج تراكمات معقدة تقاطعت فيها التحولات الداخلية مع زلازل الإقليم المتلاحقة:
اتفاقية التعاون الدفاعي لعام 2021: شكلت هذه الاتفاقية نقطة تحول مفصلية، حيث منحت القوات الأمريكية حرية الحركة واستخدام العديد من القواعد والمنشآت العسكرية الأردنية بدون رسوم أو قيود عملاتية مجحفة في نظر الناقدين. هذا النمط من الاتفاقيات ظل يغلي تحت السطح، حتى جاءت الأحداث الإقليمية لتعيد فتحه بكامل القوة والعلنية.
شبح التوريط في الصراع الإقليمي: مع تصاعد المواجهات الإقليمية وتمدد ساحات الحرب، يتزايد القلق لدى الشارع والنخب الأردنية من أن التواجد الأمريكي لا يوفر الحماية بقدر ما يجعل البلاد مسرحاً محتملاً لردود أفعال إقليمية، أو بيئة لاستخدام أراضيها وأجوائها في دعم سياسات واشنطن بالمنطقة.
اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي والموقف الشعبي: في الوقت الذي تعبر فيه عمان رسمياً عن مواقف صلبة تجاه القضايا الإقليمية العادلة وحماية الأمن القومي الأردني، يرى الشارع أن استمرار الشراكة العسكرية المطلقة مع واشنطن يمثل تناقضاً كبيراً يضعف الموقف الدبلوماسي للأردن ويحد من استقلالية قراره السياسي.
تجد الدولة الأردنية نفسها اليوم في واحدة من أكثر معادلات التوازن صعوبة وتعقيداً في تاريخها الحديث، إذ تقع السلطة السياسية في عمان تحت وطأة مثلث من الضغوط المتصادمة التي يصعب التوفيق بين أضلاعها.
الضلع الأول يتمثل في الاعتمادية الإستراتيجية والمالية؛ إذ تشكل المساعدات الأمريكية العسكرية والاقتصادية شريان حياة حيوياً للموازنة والأمن الوطني الأردني في ظل ظروف اقتصادية ضاغطة وموارد محدودة. أما الضلع الثاني فهو الاستقرار والشرعية الداخلية؛ حيث إن الضغط المتزايد من الشارع والنخب يقضم من رصيد التوافق الضمني بين الدولة والمجتمع، مما يجعل التكلفة السياسية لقمع أو تجاهل هذه الأصوات أشد خطورة مما كانت عليه في السابق. ويأتي الضلع الثالث ليجسد مخاطر الانزلاق الإقليمي؛ إذ تبحث عمان دائماً عن تجنب أن تصبح طرفاً في محاور الصراع، غير أن استمرار الوجود العسكري الأمريكي الضخم يصعّب من الحفاظ على موقف الحياد النشط ويضع البلاد في مرمى الاستهداف الإقليمي.
المسارات المستقبلية والأثر التراكمي
بغض النظر عن طبيعة رد الفعل الحكومي المباشر، سواء اتجه نحو التجاهل أو الاحتواء، فإن هذه الوثيقة أحدثت خرقاً دائماً في الجدار السياسي الأردني؛ فقد أصبحت الاتفاقيات العسكرية والتواجد الأجنبي موضوعاً مطروحاً للنقاش العام، ولم يعد من السهل إعادته إلى دائرة الغرف المغلقة أو السرية الأمنية.
كما تمهد هذه الخطوة الطريق لمزيد من التحركات والمبادرات القانونية والشعبية التي قد تستهدف مجالات تعاون أخرى، مما يضع البرلمان والحكومة تحت رقابة مجتمعية أشد قسوة. وهذا التطور يفرض على المطبخ السياسي في عمان صياغة خطاب إستراتيجي جديد؛ خطاب لا يكتفي بالاستناد إلى المبررات التقليدية الشارحة للتحالفات الدولية، بل يقدم إجابات متماسكة تطمئن الشارع والنخب حول حدود السيادة وحماية الأمن القومي في واحدة من أشد مراحل تاريخ المنطقة اضطراباً.
د. نبيلة عفيف غصن
