تكشف المحاولة الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب لاستخدام الأصول الإيرانية المجمدة كصندوق تعويضات للأضرار الناجمة عن المواجهات البحرية، عن انفصال عميق بين منطق الهيمنة المالية البيروقراطية في واشنطن وبين الواقع الميداني الصلب في مياه الخليج. إن الفكرة التي رُوّج لها كضربة استباقية لتدفيع طهران كلفة التصعيد، سرعان ما تحطمت على صخرة الخط الأحمر الجيوسياسي الذي أرسته إيران فوراً: التحكم المباشر بشريان الطاقة العالمي في مضيق هرمز.
​1. فقر الآلية ونحافة الأرقام: حدود الابتزاز المالي
​تقوم المبادرة الأمريكية على افتراض أن مصادرة الأصول ستشكل رادعاً اقتصادياً وملاذاً لضحايا التوترات البحرية، غير أن التدقيق الرقمي والقانوني يكشف عن تهافت هيكلي في هذه الأطروحة:
​ضآلة المبالغ المتاحة: لا يتجاوز حجم الأصول الإيرانية الخاضعة للسيطرة القضائية الأمريكية المباشرة حاجز المليارين من الدولارات؛ وهو رقم زهيد لا يمكنه تغطية تكاليف مواجهة ممتدة أو تعويض أسطول تجاري واحد متضرر.
​إعادة التوجيه الداخلي: التجربة التاريخية والبيروقراطية الأمريكية تؤكدان أنه حتى في حال إنشاء إطار قانوني للمصادرة، فإن هذه الأموال لن تجد طريقها إلى ملاك السفن أو شركات التأمين المتضررة، بل ستُبتلع في دهاليز الموازنة العسكرية الأمريكية والإنفاق الدفاعي الداخلي.
​2. معادلة الردع في هرمز: الجغرافيا تفرغ المال من قيمته
​شكل الرد السريع للحكومة والقيادة العسكرية الإيرانية—بتهديد أي شركة أو دولة تقبل بالدخول في هذا المخطط بالحرمان التام من حق عبور مضيق هرمز—ضربة قاصمة للمبادرة من جذورها:
​حسابات الجدوى لشركات الملاحة: لن تغامر أي شركة شحن عالمية أو هيئة تأمين بقبول تعويضات مالية محدودة من أصول مصادرة، مقابل الخسارة الأبدية لحق العبور عبر الممر الذي يتدفق عبره خُمس النفط العالمي.
​التفوق الاستراتيجي للممر المائي: إن قبول الأموال الأمريكية يعني انتحاراً تشغيلياً للشركات البحرية، مما يجعل قدرة “الرشوة المالية” أو التعويض الأمريكي عاجزة تماماً عن شراء الامتثال التجاري.
​3. الضغط النفسي والاستهلاك الانتخابي
​تندرج الخطوة الأمريكية عملياً ضمن المناورة النفسية والمسرح السياسي:
​مخاطبة الداخل وطمأنة القواعد: تهدف هذه التصريحات إلى تصدير صورة “الرئيس القوي” أمام القواعد الانتخابية، عبر الإيحاء بأن واشنطن قادرة على تجريم الخصوم وتدفيعهم الثمن دون تحميل الخزينة كلفاً إضافية.
​سقف الحرب النفسية: أثبت الرد الإيراني أن سياسة الابتزاز عبر الإعلام لا تصمد أمام أدوات الردع المادي، وأن فرض العقوبات المالية له حدود قصوى عندما يمس بالأمن التشغيلي لخطوط التجارة العالمية.
​تؤكد هذه الجولة أن أدوات الضغط الاقتصادي الاستعراضية تفقد فاعليتها تماماً عندما تصطدم بحقائق الجغرافيا السياسية الحاكمة. إن محاولة تسليف الخسائر من الأصول المجمدة لم تكن سوى مناورة بلا رصيد؛ فالمال لا يشتري طريقاً ملاحياً أُغلق بأمر الردع، والجغرافيا—كما أثبتت التطورات في مضيق هرمز—تظل دائماً صاحبة الكلمة الأخيرة في فرض قواعد اللعبة.
د. نبيلة عفيف غصن