شهدت الساحة الإعلامية مؤخراً تسريباً إسرائيلياً مدروساً يزيح الستار عن منشأة عسكرية بالغة التحصين تحت أرض قاعدة “رامون” الجوية في صحراء النقب. ووفقاً للتقرير، فإن هذه المنشأة تمثل “القلب اللوجستي الذكي” لسلاح الجو الإسرائيلي، وهي نتاج مسار تخطيطي وهندسي بدأ منذ عام 2003 بهدف صياغة الرد الإستراتيجي الجاهز لضرب المنشآت الحيوية والنووية في العمق الإيراني.
إلا أن القراءة العميقة للمشهد الجيوسياسي الراهن تكشف أن هذا التقرير لا يمكن اعتباره مجرد كشف فني صلب، بل هو في الجوهر “قنبلة إعلامية” ورسالة حرب نفسية صيغت بعناية للتغطية على تناقض صارخ بين بروباغندا التقييم الذاتي وبين واقع الأرض المؤثث بأرقام الاستنزاف الفعلي ومخازن السلاح الغربية المنهكة.
1. السردية الإسرائيلية: عقيدة العقدين ومطبعة الموت الرقمي
يقدم التقرير العبري منشأة “رامون” بوصفها معجزة لوجستية قادرة على إدارة وتيرة العمليات الجوية ضد أهداف بعيدة دون توقف، مستعرضاً آليات العمل الداخلي عبر مسارات تقنية محددة:
هندسة القنابل المُعَوننة: تُنقل القنابل التقليدية الثقيلة (التي يصل وزن بعضها إلى طن كامل) إلى خطوط التجميع تحت الأرض، حيث تُركب عليها أنظمة التوجيه والأذيال الذكية، لتتحول إلى ذخائر دقيقة تحمل “عنواناً” وإحداثيات مشفرة سلفاً، مع إمكانية تتبع أدائها رقمياً حتى لحظة الارتطام.
سحق عنصر الوقت بالأتمتة: يكشف التقرير عن اختبار أنظمة روبوتية متطورة لتولي هندسة التجميع بهدف رفع وتيرة الإنتاج، بالتوازي مع عمل فرق الصيانة والتسليح على مدار الساعة لإعادة تدوير الطائرات المقاتلة (F-15 وF-16 والأباتشي) فور عودتها من المهام عبر تزويدها بالوقود والسلاح في زمن قياسي.
2. المفارقة المقلقة: الاكتفاء الذاتي المزعوم مقابل “التنفس الاصطناعي”
هنا يبرز التناقض الأول والأساسي؛ إن حديث التقرير عن تفوق البنية التقنية المحلية وقدرتها على إنتاج وتجهيز كميات هائلة من الذخائر في وقت قياسي يتصادم مباشرة مع المعطيات الميدانية المشهودة في جولات المواجهة الراهنة.
واقع التبعية اللوجستية: يعيش الكيان الصهيوني حالة اعتماد كامل على “تنفس اصطناعي جوي وبحري” تؤمنه الجسور اللوجستية الأمريكية المفتوحة على مدار الساعة. فلو كانت مستودعات “رامون” المحصنة تعمل كمعمل مستقل ومكتفٍ ذاتياً طيلة عقدين، لما شهدت أروقة القرار في تل أبيب هذا الذعر الوجودي، ولما تآكلت الهيبة العسكرية أمام أي تلويح أمريكي بتعليق أو تأخير شحنة سلاح واحدة.
3. أزمة الذخائر الأمريكية وحقائق الميدان المنهك
تتفكك البروباغندا الإسرائيلية بشكل أعمق عند مقاطعتها مع الحقائق التسليحية الصلبة التي تعترف بها مراكز الأبحاث الدولية والبنتاغون نفسه، حيث تواجه خطوط الإمداد الغربية أزمتين بنيويتين:
تشتت الجبهات الدولية: توزيع الدعم العسكري الأمريكي السخي بين جبهات شرق أوروبا (أوكرانيا)، والشرق الأوسط، والتوترات المتصاعدة في بحر الصين الجنوبي (تايوان)، خلق ضغطاً غير مسبوق على سلاسل التوريد العالمية، وتحديداً في قطاع الذخائر الثقيلة والدقيقة (مثل عائلة قنابل MK-84 وأنظمة التوجيه الذكي ومجموعات JDAM) التي زعم تقرير “رامون” أتمتة إنتاجها.
تفريغ مخازن الطوارئ الإستراتيجية: إن المستودعات الأمريكية المودعة في المنطقة -والتي يُسحب منها عادة في أوقات الأزمات الكبرى- تعرضت لاستنزاف حاد وهائل، وإعادة ملء هذه الخطوط تحتاج لسنوات من الإنتاج الصناعي الكثيف، وليس لبضعة أشهر من التجميع المحلي المفترض تحت الأرض.
4. الأبعاد الإستراتيجية للتوقيت: لماذا الآن؟
إن طبخ هذه “القنبلة الإعلامية” في هذا التوقيت بالذات يحمل دلالات سياسية وعسكرية ملتفة، تهدف إلى تحقيق غايتين أساسيتين:
.1 التعويض النفسي وفجوة الردع: محاولة إيحاء واضحة لطهران ومحور المقاومة بأن الكيان يمتلك بدائل تصنيعية مستقلة لا تتأثر بالمعادلات أو الضغوط السياسية الدولية، وذلك بغرض التغطية على حقيقة أن المخازن التقليدية الفعلية وصلت إلى هوامش أمان حرجة وخطيرة.
.2 ابتزاز الحليف الأمريكي ديبلوماسياً: إرسال إشارة مبطنة لإدارة واشنطن بأن “تل أبيب” قادرة تكنولوجياً ولوجستياً على فتح مواجهة إقليمية واسعة وبشكل منفرد بناءً على هذه “القدرات المدفونة”، وهي ورقة ضغط تهدف إلى إجبار أصحاب القرار في الولايات المتحدة على إبقاء تدفق شحنات الأسلحة الاستراتيجية مستمراً دون شروط أو قيود.
في المحصلة، يتبين أن منشأة النقب المحصنة -وإن وجدت بنيتها التحتية كأداة تجميع وتخزين- لا يمكنها الانفصال عن المنظومة المصنّعة والمموّلة في واشنطن.
إن هذا الضخ الإعلامي الكثيف حول “مخازن القيامة المؤجلة” ليس دليلاً على فائض القوة، بل هو مؤشر على أزمة استنزاف عميقة تحاول إسرائيل علاجها بالهروب إلى الأمام عبر حروب تكنولوجية وإعلامية مفبركة، للتغطية على حقيقة أن جحور النقب المحصنة لا تملك المواد الخام لتشغيل روبوتاتها إذا ما انقطع شريان الإمداد الخارجي.
د. نبيلة عفيف غصن
