“منطقة مفتوحة” أو “منطقة منزوعة السلاح”.. بروباغاندا الهزيمة في خدمة الاحتلال!
إن النداء الذي يتم تداوله تحت عنوان إعلان صور والنبطية “منطقة مفتوحة” أو “منطقة منزوعة السلاح” هو موقف سياسي يتناغم ويتماشى في جوهره مع الاتفاق الأمني الذي يجري العمل عليه اليوم بين السلطة اللبنانية والكيان الصهيوني.
فمن جهة، نشهد سلطة لبنانية تتجه نحو التنسيق الأمني مع العدو، وتعطي الاحتلال وحده حق “الدفاع عن النفس” اي إستباحة أرضنا، فيما يُمنع لبنان وأبناء الجنوب من ممارسة حقهم الطبيعي في الدفاع عن أرضهم وشعبهم. ومن جهة أخرى، يخرج بعض الأشخاص في صور والنبطية ليطالبوا هذه السلطة نفسها بإعلان المنطقتين، منطقتين مفتوحتين وخاليتين من السلاح والمقاومة، أي عملياً تحويلهما إلى منطقتين مستسلمتين تُقدَّمان على طبق من فضة للمشروع الصهيوني.
الأخطر من ذلك أن المعلومات المتداولة تشير إلى أن هذا النداء لا يقف عند حدود بيان سياسي أو عريضة رأي، بل إن هناك حديثاً عن إمكانية تحوله إلى مشروع مطروح للنقاش والتصويت داخل مؤسسات الدولة. وإذا صحّ ذلك، فإننا نكون أمام محاولة خطيرة لفرض واقع سياسي وأمني جديد على أبناء الجنوب، عنوانه تجريد المنطقة من أي قدرة على المقاومة.
إن ما يطرحه أصحاب هذا النداء يقوم على قلب الحقائق وتغييب المعتدي. إن المشكلة الأساسية ليست المقاومة، بل بالاحتلال. وما يحصل اليوم في الجنوب ليس السبب، بل هو رد فعل على عقود طويلة من العدوان والاحتلال والمجازر والمشروع الصهيوني الاستيطاني التوسعي.
كل ما يجري لم يبدأ في السابع من أكتوبر، ولم يبدأ مع حرب الإسناد، ولم يبدأ مع صواريخ المقاومة. المشروع الصهيوني سبق كل ذلك بعقود طويلة، وقبله سبقت المشاريع الإمبريالية التي قامت على الاحتلال والاستيطان ونهب الشعوب وإخضاعها. المقاومة لم تكن يوماً سبباً للاحتلال، بل كانت دائماً رد فعل عليه.
كأن أصحاب هذا النداء لم يروا ما آلت إليه تجربة أوسلو. كأنهم لا يرون ما يجري يومياً في الضفة الغربية من تهويد واستيطان وقتل واعتقالات. كأنهم لا يرون ما جرى ويجري في غزة من إبادة وتدمير وتجويع. كأنهم لا يرون آلاف الأسرى في السجون الإسرائيلية. وكأنهم يعتقدون أن الاستسلام سيجلب الأمن، فيما تؤكد كل تجارب المنطقة أن الاستسلام لا يجلب إلا المزيد من الهيمنة والعدوان.
إن استسلام لبنان، لا يعني استسلام لبنان فقط، بل يعني ضربة للقضية الفلسطينية ولحق شعوب المنطقة في مقاومة الاحتلال. وإن تجريد الجنوب من مقاومته لا يعني حماية الجنوب، بل فتح الباب أمام المزيد من الابتزاز والاعتداءات الإسرائيلية.
ومن المؤسف أن تجد بين الموقعين أسماء شخصيات تنتمي إلى بيئات يسارية وشيوعية، وبعضها من عائلات قدّمت شهداء في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. فكيف لمن عانى من الاحتلال وقدّم التضحيات في مواجهته أن يمنح اليوم شيكاً على بياض لسلطة تسير في مسار التنسيق الأمني مع العدو؟ وكيف لمن يتحدث عن مواجهة الإمبريالية والاستعمار أن يقف في موقع يجرّد شعبه من حقه في المقاومة؟
وفي هذا السياق، لا بد من توجيه التحية إلى الموقف الرافض الذي صدر عن الحزب الشيوعي في النبطية، لأنه عبّر عن خط مقاوم ومنسجم مع تاريخ الشيوعيين الحقيقي في مواجهة الاحتلال والمشاريع الإمبريالية.
لكن يبقى السؤال موجهاً إلى القيادة المركزية للحزب الشيوعي وإلى القوى الوطنية كافة: أين أنتم من هذا النداء؟ وأين أنتم من مخاطره السياسية والوطنية؟ ولماذا لم يصدر حتى الآن موقف واضح وصريح يرفض هذا الطرح ويدينه، خصوصاً مع وجود شخصيات شيوعية قيادية منظمة بين الذين وقعوا على البيان؟
إن الصمت في لحظة كهذه خطأ تاريخي. المطلوب موقف واضح لا لبس فيه، يرفض تحويل الجنوب إلى منطقة مستسلمة، ويرفض أي مشروع يهدف إلى نزع حق أبناء الجنوب في مقاومة الاحتلال والدفاع عن أرضهم وكرامتهم.
فالمشكلة لم تكن يوماً في من يقاوم الاحتلال، بل في الاحتلال نفسه. والمطلوب ليس محاصرة المقاومة، بل مواجهة الأسباب التي أوجدتها. أما الدعوات إلى المناطق المفتوحة والمنزوعة السلاح في ظل استمرار العدوان والاحتلال، فهي ليست طريقاً إلى السلام، بل طريق إلى الاستسلام، والاستسلام لم يكن يوماً ضمانة للأمن ولا للحرية.
وأخيراً، من يريد الاستسلام فليستسلم وحده، أما أن يُراد جرّ شعب كامل ومنطقة كاملة إلى الاستسلام عبر حملات البروباغاندا المنظمة، فهذا أمر خطير ومشبوه في المضمون والتوقيت.
نعم، من حق أهل الجنوب أن يحزنوا على بيوتهم المهدمة وعلى شهدائهم وعلى قراهم التي تتعرض للعدوان. ومن حق كل إنسان أن يتألم أمام حجم الدمار والتضحيات. لكن ما نشهده منذ أشهر على وسائل التواصل الاجتماعي وفي بعض وسائل الإعلام لم يعد مجرد تعبير عن الحزن أو الألم، بل تحوّل في إلى حالة من الندب المستمر الذي يصب موضوعياً في خدمة البروباغاندا الصهيونية، سواء أدرك أصحابه ذلك أم لم يدركوه.
فحين يجري التركيز ليل نهار على نتائج العدوان دون تسمية المسؤول الحقيقي عنه، وحين يجري الإيحاء بصورة مباشرة أو غير مباشرة بأن المقاومة هي سبب الدمار لا الاحتلال، فإن النتيجة السياسية لهذا الخطاب تصبح واضحة: ممارسة الضغط على المقاومة ودفع الناس نحو القبول بالهزيمة والاستسلام. وهذا بالضبط ما يريده العدو.
المشكلة أكبر بكثير من منزل دُمّر أو حجر سقط، الخطر الحقيقي هو أن ينجح المشروع الصهيوني في فرض إرادته على شعوبنا. نعم، الثمن كبير والتضحيات كبيرة ومؤلمة، لكن ثمن الاستسلام سيكون أكبر بكثير، ونتائجه ستكون لعقود طويلة.
ولذلك نقول بوضوح: الاستسلام ليس خياراً، ولن تجبرونا على الاستسلام.
أمّا الذين يرفضون تضامن أبناء الوطن أو الأحرار من خارجه مع أهل الجنوب، ويرفضون دعمهم للمقاومة بحجّة أنّهم لا يعيشون المعاناة نفسها، فإنّ هذا المنطق مرفوض ولا يخدم إلا العدو. فما يجري في الجنوب ليس شأناً يخصّ أهله وحدهم، بل قضية وطنية تمسّ لبنان كلّه. فكلّ اللبنانيين معنيّون بما يحدث، ويشعرون بالألم والغضب والتضحيات. إنّ التضامن مع من يتعرّضون للعدوان ليس حكراً على من يعيش المعاناة مباشرة، بل هو واجب إنساني وأخلاقي يتجاوز الأفراد والجغرافيا.
ونحن، كشيوعيين ووطنيين، نعرف جيداً معنى التضامن الوطني والأممي. والتضامن الحقيقي لا يكون بترديد خطاب الهزيمة، ولا بالتشكيك بحق الناس في المقاومة، بل بالوقوف إلى جانب من يواجه العدوان، وبالعمل على ضمان بقاء المقاومة حاضرة وقادرة وفاعلة ومستمرة. فهذا هو المعنى الحقيقي للتضامن والصمود.
فحذارِ حذارِ مما تقومون به، فالكلمات والمواقف في زمن الحرب يجب أن تكون مدروسة، وقد تتحول، عن قصد أو عن غير قصد، إلى خدمة مجانية لبروباغاندا العدو وأهدافه.
وحذارِ من المساهمة في تسويق الهزيمة والاستسلام تحت عنوان الخوف على البشر والحجر، فكلفة الاستسلام ستكون أكبر بكثير من كلفة الصمود.
لولا ابراهيم
