​في لحظة تاريخية فارقة، كشفت كنيسة إنجلترا عن وجه جديد لم يعهده مطبخ القرار السياسي البريطاني من قبل. إن تصويت المجمّع العام بأغلبية ساحقة بلغت 253 صوتاً مقابل 47 لصالح قرار التضامن مع الشعب الفلسطيني ودعم مقاومته السلمية، ليس مجرد “توصية كنسية” عابرة؛ بل هو هزة أرضية في بنية المؤسسة التقليدية العريقة، وإعلان صريح عن تصدع السردية التي حاولت عواصم غربية فرضها لعقود.
​بعد أربع سنوات من المماطلة، والتأجيل، ومحاولات الالتفاف بذريعة “الحياد الدبلوماسي”، انهار جدار الصمت الكنسي ليطلق صرخة أخلاقية مدوية من مدينة يورك البريطانية، واضعاً الكنيسة الرسمية للدولة في مواجهة مباشرة مع السياسة الخارجية لحكومتها.
​1. دلالة الأرقام: سقوط “الحياد الزائف”
​إن فوز القرار بأغلبية كاسحة (تتجاوز 84% من الأصوات) يحمل دلالة واضحة: الحياد في زمن الإبادة لم يعد خياراً أخلاقياً مقبولاً.
هذه الأرقام تكشف أن القواعد الشعبية والقيادات الروحية داخل الكنيسة باتت تعيش اغتراباً كاملاً عن الموقف الرسمي المتواطئ لـ “داونينغ ستريت” (مقر الحكومة البريطانية). لم يكن هذا التصويت مجرد تعبير عن التعاطف، بل كان “انتفاضة بملابس كهنوتية” ضد محاولات تدجين الموقف المسيحي وتفريغه من بعده الإنساني والعدلي.
​2. تبني “كايروس فلسطين”: اللاهوت في مواجهة الدبابات
​لعل الخطوة الأكثر جرأة في هذا القرار هي الالتزام بالتفاعل مع إعلانات “كايروس فلسطين” (وقفة حق)، وتحديداً وثيقة عام 2025.
​ما هي أهمية هذه الخطوة؟
وثيقة “كايروس فلسطين” ليست مجرد بيان سياسي؛ إنها صياغة لاهوتية مسيحية فلسطينية تقرأ الواقع تحت الاحتلال. عندما تتبنى كنيسة إنجلترا وثيقة تصنف العدوان الصهيوني على غزة كـ “جريمة إبادة جماعية ومحاولة لطمس الوجود الفلسطيني”، فإنها تسحب البساط اللاهوتي والأخلاقي بالكامل من تحت أقدام “المسيحية الصهيونية” التي طالما بررت الجرائم بنصوص مؤولة.
​بهذا التبني، تعلن الكنيسة أن الدفاع عن الوجود الفلسطيني في أرض مهد المسيح هو واجب إيماني وإنساني، وليس مجرد ملف سياسي خاضع للمساومات الإقليمية.
​3. من “الصلوات الدافئة” إلى “العقوبات الباردة”: سلاح سحب الاستثمارات
​لطالما تذرعت المؤسسات الدينية بالصلوات والدعاء هرباً من اتخاذ مواقف عملية. لكن النص الجديد تجاوز هذه العتبة التقليدية بفرض سياسات استثمارية مسؤولة تقضي بسحب الأموال والتبرعات من الشركات والمنظومات المرتبطة بالاحتلال.
​هذه النقلة النوعية ترتكز على أرضية قانونية صلبة:
​الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية (2024): الذي قضى بعدم شرعية الاستيطان والاحتلال بأكمله.
​تحويل الأخلاق إلى اقتصاد: الكنيسة لا تكتفي بـ “الإدانة اللفظية”، بل تقرر تجفيف منابع الدعم المالي للآلة العسكرية والشركات المستفيدة من جدار الفصل والاستيطان.
​هذا التوجه يضع “لجنة صناديق الكنيسة” (التي تدير أصولاً بمليارات الجنيهات الإسترلينية) أمام مسؤولية تاريخية لتنفيذ هذا الحظر الفعلي، مما يشكل ضربة قاصمة لمحاولات شرعنة الاستيطان اقتصادياً.
​4. إحراج “التاج”: الكنيسة تقود الشارع ضد السلطة
​في بريطانيا، تتمتع كنيسة إنجلترا بصفة رسمية، ويرأسها رمزياً ملك البلاد. بالتالي، فإن مطالبتها لحكومة المملكة المتحدة بـ “وقف التواطؤ” هي خطوة بالغة الحساسية والإحراج للمستويين السياسي والدبلوماسي في لندن.
​إنها رسالة واضحة من قلب المؤسسة التقليدية إلى الساسة البريطانيين: “لقد تجاوزت خطيئتكم السياسية حدود الاحتمال الأخلاقي، ونحن ككنيسة لن نكون شركاء في تغطية جرائم الحرب.”
فجرٌ جديد للمقاومة حول العالم
إن هذا القرار يعيد تعريف مفهوم “المقاومة” ويمنحها مظلة دولية وروحية جبارة. وهو يثبت أن صمود الشعب الفلسطيني وتضحياته في قطاع غزة والضفة الغربية قد نجحا في اختراق الحصون التقليدية للقوى الغربية، محولين التعاطف الشعبي إلى قرارات مؤسسية نافذة.
​لقد اختارت كنيسة إنجلترا، بعد أربع سنوات من التردد، أن تقف في الجانب الصحيح من التاريخ. والسؤال الآن ليس إن كانت الكنيسة قد انتصرت للحق، بل متى ستدرك الحكومات الغربية أن غطاءها الأخلاقي للاحتلال قد تهرأ بالكامل، حتى في عيون كنائسها؟
د. نبيلة عفيف غصن