عندما تكون اللعبة السياسية متمحورة بالكامل حول فرض النفوذ بالقوة، فإن الفجوة بين الوهم والواقع قد تكلف الإمبراطوريات الكبرى مكانتها الاستراتيجية وتهدد استقرار الاقتصاد العالمي بأسره. يقدم المحلل السياسي المخضرم إيليا مانييه تشريحاً دقيقاً لما يمكن تسميته بـ “سقوط الأوهام الأمريكية” في الشرق الأوسط، كاشفاً عن الخلل البنيوي في عقلية واشنطن السياسية وتحديداً في تعاطيها مع الملف الإيراني، وهو التخبط الذي قاد العالم اليوم في يوليو 2026 إلى حافة مواجهة شاملة ومستنقع اقتصادي لا مخرج منه.
1. جذور المأزق: خديعة “الأيام الثلاثة” وسقوط مراهنات ترامب
في كواليس صناعة القرار، يكشف مانييه عن “الخديعة الكبرى” التي تورط فيها دونالد ترامب مدفوعاً بوعود حليفه الأقرب، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
ففي الحادي عشر من فبراير – قبل أسابيع قليلة من اندلاع جولة الصراع الكبرى لعام 2026 – تلقى ترامب تقارير ووعوداً حاسمة ومضللة من نتنياهو ورئيس جهاز “الموساد” تؤكد أن إسقاط النظام الإيراني وتغيير وجه المنطقة لن يستغرق سوى ثلاثة أيام فقط، مستشهدين بسيناريو فنزويلا كنموذج قابل للتطبيق الفوري.
إلا أن هذا الوهم سرعان ما اصطدم بالصلابة الدفاعية والواقع الميداني لإيران؛ ومع تلاشي هذه الوعود الوردية وتحول الأيام الثلاثة إلى أشهر من الاستنزاف، تحول حماس ترامب إلى غضب عارم وإحباط شديد تجاه الحسابات الاستخباراتية الإسرائيلية الفاشلة التي ورطت الإدارة الأمريكية في مستنقع استراتيجي معقد ومكلف للغاية.
2. التخبط الإستراتيجي: برنامج نووي “مُدمَّر” يثير الرعب!
يُسلّط مانييه الضوء على التناقض السياسي الصارخ في مواقف دونالد ترامب ليدلل على غياب التنسيق والرؤية الموحدة في الخطاب الأمريكي:
فمن جهة، أعلن ترامب في يونيو 2025 بزهو مبالغ فيه أنه “محا ودمّر البرنامج النووي الإيراني تماماً”.
ومن جهة أخرى، يعود ترامب نفسه اليوم ليردد بنبرة قلقة وتوجس: “لن أسمح لإيران بامتلاك قنبلة نووية!”.
هذا التناقض المعرفي يطرح تساؤلاً بديهياً يفضح السردية الرسمية: كيف يمكن لمن يدّعي أنه قضى بالكامل على قدرات خصمه النووية أن يظل قلقاً ومستنفراً لمنعه من صنع القنبلة اليوم؟ هذا يعكس بوضوح أن السياسة الأمريكية تدار عبر شعارات إعلامية موجهة للداخل بدلاً من استراتيجية حقيقية قادرة على قراءة الواقع.
3. يوميات النار: كرونولوجيا متسارعة لعام 2026 وصدمة يوليو
لم تكن المواجهات الحالية وليدة الصدفة، بل جاءت تتويجاً لمسار متفجر من التصعيد والتهدئات الهشة التي صاغت مشهد عام 2026:
28 فبراير 2026: شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات واسعة النطاق ضد أهداف إيرانية، معلنةً بدء مواجهة عسكرية مفتوحة.
7 أبريل 2026: أُعلنت هدنة مؤقتة لالتقاط الأنفاس وفتح باب للمفاوضات بعد أسابيع من القتال الشرس والمتبادل.
17 يونيو 2026: وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان “مذكرة إسلام آباد” عن بُعد لإنهاء الحرب، مما أحيا الآمال بسلام واستقرار قريبين.
8 يوليو 2026: انهار هذا الاتفاق والتهدئة بالكامل إثر اتهامات لإيران باستهداف سفن تجارية في مضيق هرمز، تلاها رد عسكري أمريكي مباشر بضرب أراضٍ إيرانية، وقصف إيراني متبادل طال قواعد أمريكية حيوية في الخليج.
13-14 يوليو 2026: نفذ الجيش الأمريكي جولة جديدة من الضربات لتقويض قدرات إيران العسكرية في مضيق هرمز، وأعاد فرض الحصار البحري، وسط تحذيرات أممية شديدة من تداعيات هذا التصعيد المدمر على المدنيين وحرية الملاحة الدولية.
4. فاتورة العجز الأمريكي: خسائر بالمليارات وهيبة مهدورة
الحرب والسياسة في منظور مانييه لا تُقاس بالخطابات الرنانة، بل بالنتائج والأرقام الملموسة على الأرض، والتي تؤكد الفشل الذريع للاستراتيجية الأمريكية على عدة محاور:
نزيف الطاقة والاحتياطيات: واجهت أمريكا نزيفاً حاداً تمثل في خسارة ما يقرب من 400 مليون برميل من احتياطي النفط الاستراتيجي، في محاولة يائسة وغير مجدية للسيطرة على أسعار السوق وتثبيت نفوذها المترنح.
سراب تغيير النظام: سقطت المراهنات السياسية في فخ الفشل المطلق؛ وعجزت واشنطن تماماً عن الإطاحة بالنظام الإيراني أو تنصيب قيادة موالية لها.
عجز تحجيم السلاح والقدرات: أثبتت السياسة الأمريكية عجزها الكامل عن تدمير القدرات الصاروخية والبرنامج النووي الإيراني، رغم توالي التهديدات والعقوبات الاقتصادية الخانقة.
هذا التراجع في القدرة على الحسم حوّل الصورة الذهنية لأمريكا دولياً إلى قوة عاجزة تكتفي بالدفاع وردود الفعل، بينما تجلس إيران فعلياً في “مقعد القيادة” بمضيق هرمز.
5. مضيق هرمز: الشريان المخنوق والزلزال الاقتصادي العالمي
إن عودة الحصار البحري الأمريكي والتهديد الإيراني المستمر بإغلاق مضيق هرمز – الذي يمر عبره نحو 20% من إجمالي تجارة النفط المنقولة بحراً في العالم (حوالي 20 مليون برميل يومياً) – قد تسبب في ما وصفته الوكالة الدولية للطاقة (IEA) بأنه “أكبر اضطراب في إمدادات سوق النفط العالمي في التاريخ”، وتتمثل تداعياته الاقتصادية فيما يلي:
أ. زلزال أسعار النفط والوقود
تجاوزت أسعار النفط حاجز 100 دولار للبرميل في مارس 2026، لتواصل صعودها الحاد وتسجل قمة قياسية عند 126 دولاراً للبرميل؛ وهي زيادة بنسبة 65% (حوالي 46 دولاراً إضافية لكل برميل) لتكون أعلى زيادة شهرية مسجلة في تاريخ سوق النفط. وانعكس ذلك مباشرة على المستهلك الأمريكي بارتفاع أسعار البنزين بنسبة 30% لتتجاوز حاجز الـ 4 دولارات للجالون الواحد. ووفقاً لتقديرات شركة “فيتول” العملاقة لتجارة النفط، فإن الحرب وتوقف الإمدادات قد يكلفان الأسواق خسارة إنتاجية هائلة قد تصل إلى مليار برميل من النفط على المدى الطويل.
ب. أزمة الغاز المسال وسلاسل الغذاء العالمية
شهدت شحنات الغاز الطبيعي المسال (LNG) المنطلقة من الخليج شللاً تاماً، مما دفع شركات كبرى مثل “قطر للطاقة” إلى إعلان القوة القاهرة (Force Majeure) على صادراتها، وهو ما يضرب أوروبا مباشرة التي تعتمد على المضيق لتأمين ما بين 12% إلى 14% من احتياجاتها من الغاز المسال القطري.
بالإضافة إلى ذلك، تضررت سلاسل الغذاء العالمية؛ إذ يمثل الخليج مركزاً رئيسياً لإنتاج الأسمدة (نحو 30% إلى 35% من صادرات اليوريا العالمية، و20% إلى 30% من صادرات الأمونيا)، ما يعني أن توقف الملاحة يمنع وصول ثلث الأسمدة المتداولة دولياً للأسواق، وينذر بارتفاع حاد في أسعار المحاصيل الغذائية.
ج. التضخم العالمي واشتعال تكاليف الشحن
تضافر النقص الحاد في الإمدادات مع تقلبات أسعار الصرف ليرفع من مخاطر الدخول في حالة ركود تضخمي عالمي تشبه أزمة السبعينيات، مما أجبر البنوك المركزية على تأجيل خططها لخفض أسعار الفائدة. كما ارتفعت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب للسفن التي تحاول عبور المنطقة من 0.125% إلى ما بين 0.2% و0.4% من قيمة السفينة، وهو ما يعادل زيادة قدرها ربع مليون دولار لكل رحلة ناقلة نفط عملاقة.
6. إلى أين الآن؟ سيناريوهات صراع “عض الأصابع”
بعد الانهيار الدراماتيكي للهدنة المؤقتة في يوليو الجاري، يتأرجح الصراع بين ثلاثة سيناريوهات رئيسية ترسم ملامح المرحلة القادمة:
السيناريو الأول: حرب استنزاف بحرية مفتوحة: استمرار الحصار البحري الأمريكي وإعادة فرضه، يقابله ردود إيرانية مباشرة أو غير مباشرة عبر حلفائها الإقليميين للالتفاف على التفوق العسكري المباشر للولايات المتحدة وتشتيت جهودها، وهو ما يعني بقاء الاقتصاد العالمي في حالة شلل ممتد.
السيناريو الثاني: الضغوط الداخلية الإيرانية والمغامرة القصوى: يواجه النظام الإيراني تحديات داخلية خانقة جداً؛ فالاحتجاجات الشعبية التي اندلعت مطلع عام 2026 بسبب التضخم الذي تجاوز حاجز 60% تضغط بقوة على صانع القرار في طهران. هذا الضغط قد يدفع النظام إلى خيارات تصعيدية راديكالية في الخارج لتصدير الأزمة، أو قد يجبره في النهاية على تقديم تنازلات مؤلمة للعودة السريعة لطاولة المفاوضات لرفع العقوبات.
السيناريو الثالث: الاصطفاف الشرقي وتدويل الصراع: طهران لا تقف وحيدة؛ إذ إن تعزيز تحالفاتها العسكرية والتكنولوجية مع روسيا والصين (والتي تجسدت في مناورات حزام الأمن البحري المشتركة) يمنحها تقنيات متطورة تحد من التفوق البحري والجوي الأمريكي، مما يهدد بتحويل الشرق الأوسط إلى ساحة تصفية حسابات دولية أوسع بين المعسكرين الغربي والشرقي.
خلاصة:
يثبت الواقع الميداني والاقتصادي لعام 2026 صحة تحليل إيليا مانييه؛ فالسياسة الخارجية الأمريكية باتت رهينة الحسابات الإسرائيلية الواهمة التي وعدت بنصر خاطف خلال ثلاثة أيام، لتجد واشنطن نفسها في مواجهة حصار بحري متبادل يفرض “ضريبة طاقة وغذاء” باهظة يدفع ثمنها المستهلك العادي حول العالم. إن عسكرة مضيق هرمز لا تكسر إرادة إيران بل تخنق الاقتصاد العالمي، مما يجعل التراجع الأمريكي والبحث عن مخرج دبلوماسي مصلحة دولية ملحة قبل أن تتدحرج كرة الثلج إلى مواجهة شاملة ومدمرة.
د. نبيلة عفيف غصن
