مارادونا أو ميسي؟!
رفض الكاتب إدواردو غاليانو، مقارنة دييغو مارادونا بليونيل ميسي، فكان يجيب بابتسامةٍ على سؤال: مارادونا أو ميسي؟ مؤكدًا أن لا مجال للمقارنة. ثمّ يضيف: «لن أنسى أبدًا، العبارة التي قالتها لي ذات مرة عجوز أميّة، سمراء البشرة، تعيش في كوخ صغير، وهي تتأرجح على كرسي يكاد يتداعى من فرط قدمه مثلها تمامًا، قالت لي هذه العجوز: «يا لبؤس الناس الذين يمضون حياتهم وهم يقيسون أنفسهم بغيرهم».
مارادونا لم يكن مجرّد لاعبٍ ماهر، بل كانت مواقفه الإنسانية مشهودة.
ففي زمنٍ كان فيه نجوم اللعبة يتجنبون انتقاد أصحاب النفوذ، كان مارادونا يهاجم بشجاعة أباطرة كرة القدم وتجارها الجشعين، ويدافع عن اللاعبين المنسيين والمهمشين.
كان الأكثر شهرةً بين الرياضيين، لكنه لم ينسَ أبدًا الشوارع التي جاء منها.
«لم يُقدَّس دييغو بسبب قدميه فقط، بل لأنه كان إلهًا بشريًا، ملطخًا بالطين والأخطاء. كان يحمل على كتفيه كل ما يجعل البشر بشرًا: التناقض، الضعف، الغرور، الشراهة، الكذب أحيانًا، والكرم أحياناً أخرى. لهذا أحبه الناس. لم يروا فيه كائنًا مثاليًا، بل رأوا أنفسهم.»
أنقذته الشهرة من الفقر، لكنها سجنته في حبس الأسطورة: «إنّ الشهرة، التي أنقذته من البؤس والفقر المدقع، جعلته سجينًا لها. لقد حُكم على مارادونا بأن يصدّق أنه مارادونا، وأُجبر على أن يكون النّجم في كل حفلة، والطفل في كلّ معمودية، والميت في كلّ مأتم.»
«كان وحده قادرًا على أن يختصر تناقض الإنسان كله في خمس دقائق. ففي مباراة واحدة سجّل هدفين دخلا التاريخ معاً: هدف الفنان الذي راوغ العالم بقدميه، وهدف اللّص الذي سرق العالم بيده. والمفارقة أنّ الجماهير سامحته على الثاني لأنها كانت تعرف أن اليد نفسها خرجت من أحياء الفقراء، وأنّ الخطيئة عنده لم تكن منفصلة عن العبقرية.»
اعتبر غاليانو أنّ المخدر الحقيقي الذي دمّر حياة مارادونا كان مخدر المجد، وهو الأشد فتكًا من الكوكايين. «إنّه السمّ اللامرئي الذي يجعل الإنسان أسيرًا لصورته، ويقنعه بأنّ التصفيق ضرورة للحياة. وهو المخدر الذي دفع مارادونا ثمنه طوال عمره.»
حين رحل إدواردو غاليانو عام 2015، حزن مارادونا حزنًا عميقًا فنعاه بحرقة المفجوع على من عرفه بعين القلب، فقال له: «شكرًا لأنّك لعبت في وسط الميدان بالرقم 5، وسجّلت أهدافك في مرمى الأقوياء بالرقم 10. شكرًا لأنك فهمتني».
لقد فهمه غاليانو. فكان يناديه باسمه «دييغو» ولم يخاطبه بلغةٍ لا تراه سوى بطل الشاشات. أحبّه بخلطته الغريبة، فكتب عن البطل الطفل الذي خرج من الأحياء الفقيرة حاملًا الكرة والفقر معًا.
غاليانو رأى دييغو كما هو، لا قديسًا ولا شيطانًا، وهذا أقصى ما كان يرجوه مارادونا، أن يستعيد إنسانيته المتخفية خلف هالة البطولة.
العبارات بين مزدوجين من كتابي: “كرة القدم بين الشمس والظل” و”مرايا: ما يشبه تاريخًا للعالم”
الرفيقة لينا الحسيني..
