من أنتَ يا سيدي؟

فاتنة علي، لبنان/سورية الطبيعية

لا أعرف أيّ جوابٍ يمكن أن يحيط بك، ولا أيّ تعريفٍ قادر على أن يختصر مسيرة رجلٍ عبر منابر الدين، وساحات الثورة، ومواقع القيادة، ورفوف الكتب، وذاكرة أمةٍ أرادت أن تستعيد حقها في أن تكون حرّةً وصاحبة قرار.

فهل أقول إنك الرجل الذي حمل راية الثورة وأكمل الطريق، حين كان الطريق محفوفاً بالسجون والملاحقات والخطر؟ أم أقول إنك أحد الذين أسهموا في تثبيت دولةٍ خلعت عن نفسها ثوب التبعية، حتى غدت قوةً يُحسب لها حساب، لا تنتظر الأوامر لتنفذها، بل تفاوض من موقع الندية وتتمسك بشروطها وقرارها؟

أم أقول إنك ذلك الزاهد المتعبد الذي لم تغره مظاهر السلطة ولا أبهته ألقابها، فاختار حياةً تقوم على البساطة والانضباط، وعلى الإيمان بأن المنصب ليس امتيازاً، بل تكليفٌ ومسؤولية أمام الله والناس؟

أم أقول إنك المثقف الذي لم يحبس نفسه في إطارٍ ضيق، بل انفتح على الأدب والتاريخ والفكر واللغة؟ رجلٌ لم ينظر إلى الرواية بوصفها تسليةً عابرة، بل بوصفها نافذةً على الإنسان، وعلى المجتمعات، وعلى صراعات الخير والظلم والكرامة.

قد يظن من يقرأ هذه التساؤلات أنني أكتب عن شخصيةٍ أعجبت بها لأنها مثقفة، منفتحة، ومواكبة لعصرها. لكن مهلاً… إنني أتحدث عن ثائرٍ بحق؛ عن رجل دينٍ معمّم لم يجعل من الدين عزلةً عن الحياة، بل جعله مسؤوليةً تجاه الأمة، ورفضاً للظلم، وإصراراً على أن تستعيد الشعوب حقها في الكرامة والاستقلال.

إنني أتحدث عن السيد علي خامنئي؛ المناضل، والقائد، والأب العطوف في وجدان محبيه، والرجل الذي حمل مشروعاً يتجاوز حدود شخصه.

ولد في مشهد عام 1939، ونشأ في بيتٍ ديني متواضع، وتلقى علومه الحوزوية على أيدي علماء بارزين، قبل أن يدخل مبكراً في العمل المعارض لحكم الشاه. لم تكن الثورة بالنسبة إليه خطاباً يُقال بعد الانتصار، بل تجربة عاشها في الملاحقة والسجن والخطابة والعمل التنظيمي، قبل أن يصبح واحداً من الوجوه البارزة في مرحلة ما بعد انتصار الثورة الإسلامية.

تولى مسؤوليات كبرى في الجمهورية الإسلامية، وانتُخب رئيساً للجمهورية في واحدة من أصعب مراحل إيران، في ظل الحرب والضغوط الخارجية والتحديات الداخلية. ثم، بعد رحيل الإمام روح الله الخميني عام 1989، تولّى منصب القيادة العليا، ليقود إيران لأكثر من ثلاثة عقود في مرحلةٍ لم تكن عادية؛ مرحلة حصار، وتهديدات، وحروب، وعقوبات، وتحولات إقليمية ودولية متسارعة.

لم يكن دوره أن يؤسس الدولة من بدايتها، فالثورة الإسلامية سبقت توليه القيادة، لكنه كان من أبرز من حملوا مسؤولية صونها وتثبيت مشروعها السياسي والاستقلالي. في عهده، بقيت فكرة رفض التبعية محوراً ثابتاً في الخطاب الإيراني: لا خضوع للقوة، ولا تسليم بالإملاءات، ولا قبول بأن تكون الأمة مجرد تابعٍ في نظامٍ دولي يقرر عنها مصيرها.