ماذا لو…؟
فاتنة علي، لبنان/سورية الطبيعية
لن أكتب تحليلاً سياسياً، ولن أربط الواقع بنشرات الأخبار التي تتبدل عناوينها كل ساعة، ثم تمضي كأن شيئاً لم يكن.سأكتفي بسؤال واحد، بسيط في صيغته، ثقيل في معناه:ماذا لو؟ماذا لو قرر المنتجون العرب أن يموّلوا أفلاماً ومسلسلات تحفظ ذاكرتنا، وتروي مواجعنا، وتمنح ضحايانا وجهاً وصوتاً واسماً لا يضيع بين الأرقام؟ماذا لو خرجت أعمال فنية تروي حكاية غزة، كما صنعت السينما الغربية أعمالاً عن قضية الطفلة هند رجب؟ ماذا لو اختاروا طبيباً مثل حسام أبو صفية رمزاً للإنسانية والصمود، بدلاً من أن يفتشوا كل عام عن بطلٍ عابر في مسلسلات الترفيه، أو نجمٍ مصنوع بعناية ليتصدر الشاشات؟ماذا لو أدركت الدراما العربية أن الفن ليس زينةً للحياة، بل جزء من معركة الوعي؟أن الأغنية ليست مجرد لحنٍ يرافق السهرات، بل قد تكون وثيقة ذاكرة، ونداء كرامة، وصوت شعب يرفض أن يُمحى؟ماذا لو امتلأت المسارح العربية بأغانٍ تعيد إلى الناس معنى الوطن؟ ماذا لو عادت أصوات تنشد «موطني» و«زهرة المدائن»، لا بوصفها حنيناً إلى زمن مضى، بل بوصفها موقفاً حياً يواجه هذا الخراب؟ ماذا لو كان للفن دور في إعادة تعريف ما يجب أن نحزن لأجله، وما يجب أن نغضب منه، وما يجب أن نقف لأجله؟ماذا لو امتلكنا مواداً إعلامية وثقافية تتحدث عن قضايانا، عن فلسطين، وعن غزة، وعن جنوب لبنان، وعن جنوب سوريا، وعن السودان والصومال وكل أرضٍ عربية أو إسلامية تُستباح وتُنهك؟ماذا لو توقفت الشاشات العربية عن تقديم الترفيه بوصفه مركز الحياة، وعن تحويل المآسي إلى خبرٍ عابر بين برنامج مسابقات ومسلسل موسمي؟نحن لا نرفض الفرح، ولا نطالب الناس بأن يعيشوا في الحزن الدائم. لكن المشكلة تبدأ حين يصبح الترفيه بديلاً عن الوعي، وحين يتحول إلى وسيلة لتخدير الشعوب، وإشغالها عن قضاياها، وإقناعها بأن الحياة لا تتجاوز أغنية، أو مباراة، أو مشهداً مصطنعاً على شاشة.««أخطر ما يمكن أن يُسلب من شعبٍ ليس أرضه فقط، بل قدرته على أن يتذكر لماذا يجب أن يستعيدها.»»ماذا لو اهتم العالم، والعرب والمسلمون خصوصاً، بما يحدث في غزة كما يهتمون بتفاصيل المونديال؟ما سر هذا الاهتمام المبالغ به بكل ما هو ترفيهي، مقابل هذا البرود المخيف أمام كل ما هو جوهري وحقيقي؟في مباراة يشاهدها ملايين الناس، يوجد حكام، وحكام مساعدون، وتقنيات تراجع اللقطة من أكثر من زاوية، فقط كي لا يُظلم فريق على حساب آخر. وإذا أخطأ لاعب، يحصل على بطاقة صفراء، وإذا كرر خطأه أو تجاوز الحدود، يُطرد ببطاقة حمراء، ويُحرم من الاستمرار في اللعب.لكن ماذا عن الاحتلال؟ماذا عن دولة تنتهك القانون، وتقتل المدنيين، وتدمر البيوت والمستشفيات، وتستولي على الأرض، وتواصل جرائمها يوماً بعد يوم؟ لماذا لا تُرفع في وجهها بطاقة حمراء؟ لماذا لا تُطرد من الأراضي التي احتلتها؟ لماذا تجد، في كل مرة، من يصفق لها ويبرر لها ويمنحها المزيد من الوقت لمواصلة الجريمة؟في الملعب، يُحتسب الوقت الضائع. أما في غزة، فتضيع أعمار كاملة بلا تعويض.يضيع مستقبل أطفال، وتُحرم أجيال من التعليم والأمان والبيت والطفولة، بينما العالم يتحدث عن «التهدئة» و«القلق» و«ضبط النفس»؛ كلمات باردة لا تعيد شهيداً، ولا تحمي طفلاً، ولا توقف آلة القتل.وفي الملعب أيضاً، يوجد لاعبون احتياط يراقبون ما يجري، يدخلون حين يتعب اللاعبون الأساسيون، ويسندون فريقهم في اللحظة التي يحتاجهم فيها.فكيف يُترك المقاومون على الجبهات وحدهم؟ كيف يخاف البعض من الالتحاق بمعركة الكرامة، بينما يتدافعون للانتماء إلى أي فريق في مباراة أو منافسة عابرة؟ماذا لو توحد العرب في مواجهة إسرائيل كما توحدوا، في مراحل كثيرة، ضد أنظمة عربية أخرى حتى ساهموا في إسقاطها وتركوا شعوبها وسط الدمار والفوضى؟ماذا لو تحولت الطاقة التي أُنفقت في الخصومات الداخلية إلى قوة دفاع عن الأرض والإنسان والسيادة؟ ماذا لو فهمنا أن العدو الذي يحتل الأرض ويهدد المنطقة لا يمكن أن يُواجه بالصمت، ولا بالتطبيع، ولا بالمصالح الخفية، ولا بالشعارات التي لا تتجاوز المنابر؟ماذا لو كان الحلم العربي أكثر من أغنية؟ماذا لو لم يبقَ شعاراً يُردد في المناسبات، بل تحول إلى مشروع عمل وإرادة ومسؤولية؟ ماذا لو كان العرب أسياد قرارهم، والمسلمون أكثر وعياً بمصالحهم، وأُغلقت القواعد التي تحمي الاحتلال، وانقطعت كل أشكال الدعم العلني والخفي التي تمده بالقوة؟هل كان هذا الكيان سيجد كل تلك الغرف التي تمده بالأكسجين ليستمر في جرائمه؟هل كان سيبقى مطمئناً إلى أن العالم سيمنحه الوقت، والسلاح، والحماية، ثم يطلب من الضحية أن تكون أكثر هدوءاً؟ماذا لو تكالب العالم لنصرة صاحب الحق كما يتكالب اليوم لمنح فريقٍ ما حق المشاركة في بطولة، أو الاعتراض على قرار حكم، أو المطالبة بإعادة مباراة؟ماذا لو أصبح دم الإنسان العربي والمسلم معياراً للعدالة، لا رقماً في تقرير، ولا مادة قصيرة في نشرة أخبار؟ربما لا يغيّر سؤال «ماذا لو؟» الواقع فوراً. لكنه يفضح المسافة بين ما نعيشه وما يجب أن يكون.يفضح كيف قُدّمت لنا الحرية والديمقراطية والعدالة والتنمية والازدهار كوعود براقة، ثم تُركت الكرامة تُدفن تحت ثقل المصالح، حتى تخدّر كثيرون، وبات بعضهم يرى الحياة مجرد أغنيات وسهرات ومواسم ترفيه، فيما الوطن يُعذّب والذاكرة تُستنزف والإنسان يُترك وحيداً.ماذا لو استعدنا وعينا قبل أن نبحث عن انتصاراتنا؟لعل السؤال ليس ترفاً، بل بداية الطريق. لأن الشعوب التي تتوقف عن السؤال، يسهل أن تتعايش مع الظلم. أما الشعوب التي تسأل، وتغضب، وتتذكر، وتصر على الحق، فهي وحدها القادرة على تحويل «ماذا لو؟» إلى حقيقة.
