أحسب أنّ الصور التي تطوف شاشات العالم وتعرض مشاهد توديع المرشد الإيراني “عليّ الخامنئي” تفيض عن “الاستعراض” وإظهار تماسك منظومة الحكم هناك بعد حرب طاحنة لا تزال مستمرة (بأشكال مختلفة) منذ حوالي أربعة أشهر، وهي أكثر من “حرب دعائية” أو مهرجان انتصار تغسله الدموع ..
السؤال الأخطر الذي يكتبه الحدث في تقديري هو : من الميّت ومن الحيّ ؟
تهزّ المشاهد الوجدان، ويقسو سؤال الوجود والعدم على أعماق النفس التي أنهكها الضياع في عالم تضجّ فيه الأصوات وتتناهشه الضباع .. ستسألك تلك المواكب بلا رحمة : لِمَ قيّض الله لهذا الرّجل أن يجيء ملايين البشر لتوديعه ؟ وأنّى له أن يحظى بأكبر جنازة في الشرق عرفها التاريخ (ولست واثقا إن كانت مناطق أخرى على هذا الكوكب قد شهدت حشودا مودعة لزعيم آخر)؟
تمعن النظر فيما يعرض أمام الناس من مشاهد فيتعزّز يقينك بتفاهة الدنيا وخاصة بغباوة الإنسان ..
تدهمك الأسئلة التي ينبغي أن تخلصك من أحابيل الميديا الغربية ومن “صناعة الكراهية” التي جُبل عليها جيل كامل ممن يتربّع على عروش فضائيات أو يحتل أعمدة في صحف من “الكُبريات”..
هل حُمل كلّ أولئك المودّعين على المجيء خوفا من بطش الشُّرَطِ ؟ هل تحملوا أُوار الهجيرة طمعا في أعطية أو منحة؟ هل أسالوا لعابهم بماء مثلّج بارد مثلا أو بقطع بسكويت "مستورد" ؟
وما الذي يجعل بيانات الأعمار بين المودعين شديدة الإلغاز ؟ قد لا نعجب متى رأينا شيوخا أو حتى كهولا تجشموا مشقة الانتقال أو احتملوا عنت السفر ولم يثنهم القيظ عن إلقاء أنفسهم وسط الزحام ،، وربما عزَونا ذلك إلى ما وقَرَ في وجدانهم تجاه هذا الرجل منذ عقود،، ولكن حضور الشبّان والشابات يضرم حريق الأسئلة ويحملك على الإقرار بأنّ الأمور”ليست بهذا الوضوح” وبأنّه ينبغي الحفرُ في وجدان هذه الأمة ــــــ التي تعرفنا و نجهلها ـــــ علّنا نظفر بنزر من الأجوبة ..
سيكون على باحثينا من الأنثربولوجيين ومن الاجتماعيين ومن خبراء النفس أن يفكوا هذه الشيفرات المستعصية ..
وليس يعفيك تأمل ضخامة الحدث ـــــــ إذا أنت لعنت العجلة ـــــ من التوقف عند فداحة جهلنا بالمكون النفسي ـ الاجتماعي لأمة جارة، وليس يغنيك تكرار الإسطوانات المشروخة المعلبة في غرف ماما أمريكا أو في قصور مدن الزجاج عن التسآل : كيف فوّتنا معرفة هؤلاء على نحو كاف وهم شركاء في ثقافتنا، وبلادهم عبر الأزمان إليها ينتسب أهم “رواتنا” وطائفة كبيرة من “علمائنا” وحشد من “لغويينا” و”معجميينا” و”فلاسفتنا” و”موسيقيينا” ؟؟
أليس حريّا بنا أن نعترف بأنّنا لا نختلف كثيرا عن الأمريكان في جهلنا بتعقيد المكون الثقافي / الاجتماعي في إيران .. والأوكد، أن نقرّ أنّ انتصارها (الذي ما يزال بعض من ينظر بعيون أمريكية ينكره) عائد حقّا إلى قدرات تقنية وعسكرية قتالية وإلى قدرة عملياتية .. بيد أنّ الأهم في تقديري، أنه متولّد عن هذا المكوّن الملغز الذي غذّى جهلنا به النفخ طيلة عقود “مصهينة” في نار الطائفية ..
ولماذا نرى على الشاشات آلاف الكرد يبكون الشهيد؟ ولِمَ تبكيه حشود ضخمة من أهل السنة؟ قد نجد تفسيرا سياسيا لحضور وفود قطرية وسعودية بما أن إيران صارت أكبر من “قوة إقليمية” وأضحت مُهابة على حساب هيبة أمريكا التي عفّرها التراب، وعلى حساب عويل الصهاينة الذي عجت به صحفهم اليوم التي لم تخف دهشتها مما يجري في طهران، وما سيكون في “قم” وكذا في كربلاء والنجف (بالعراق) وختاما في مشهد..
هل يحلم “ترامب” مثلا أن تنتظم له جنازة فقط بربع أولئك الذين يشيعون الخامنئي ؟ أتراه أدرك الآن أنه منح النظام الإيراني إكسير حياة يمتدّ عقودا؟ هل يدرك الصهاينة معنى أن يكبر ملايين الشبان في إيران، وهم يدركون أنّ أجناد بلدهم أثخنوا أكبر إمبراطورية غربية و نكلوا بأقوى جيش في منطقة الشرق في آن واحد وفي حرب واحدة؟
أيّ شعور بنخوة الانتماء سينمو في وجدان شبانهم ؟ وكيف ستحفظ ذاكرتهم الطريّة مشاهد الوداع يحضرها وفود من حوالي مائة دولة ويسير في التوديع وفي التشييع طوفان بشريّ لا يعدّ ؟ سيكبر هؤلاء، وهم يفخرون بكونهم أبناء إيران،، وسيكبرون وقد علموا أنه لولا انصراف دولتهم إلى تعزيز القدرات العلمية وإلى تطوير البحث وإلى الثقة في الكفاءات الوطنيّة،ما كانت لتصمد أمام عنجهية الصهاينة وأمام بطش الآلة العسكرية الأمريكية بعدما استعانت عليهم بكل تسهيلات الجيران..
آلاف من هؤلاء الشبان، بل ربما كانوا ملايين، لهم مآخذهم على سياسات بلدهم الداخلية،، ومنهم معارضون أشدّاء لا يحتكمون إلى فكره السياسي أو فهمه العقائديّ،، ومنهم مكافحون يذبون عن حريات فرديّة ينشُدونها، ولكنّ الوقائع أخبرت أنهم لا “يدفعون العدوّ بالعدوّ” (كما قال شوقي) .. هؤلاء، فخر هذه الأمة تماما مثل مهندسيها وخبرائها وكل زرّاع الأمل على أرضها الشاسعة أيّا كانت طوائفهم وأيّا كانت مشاربهم السياسية .
وكيف تستقبل مشهد (الخراسانية) ثاني مدائن إيران، شهيد البلاد القادم من طهران أكبر حواضرها؟ أحسب أنّ الرجل حين أوصى بأن يدفن في المدينة التي أنجبته كان يشتهي أن يضمه ترابها .. تراب يعانق ترابا … أليس قد قال شاعر معتّق : “كلّ الذي فوق التراب تراب” ؟
أليس يقال ” بعض الرجال يموت أثقل من جبل، والبعض الآخر يموت أخف من الريشة” ؟ إننا إذ نقضي “حياتنا” ثمّ “نقضي” ونمضي، وإنّما نكون في الغالب “ريشا” عبثت به النسائم أو أذرته الرياح .. قد لا يذكرنا بعد موتنا غير نزر يسير من أنفار.. أمّا أمثال الخامنائي فذكرهم عصيّ عن النسيان ..ولا يُعزى ذلك إلى مزار سيهيئونه له (في مدينة المزارات) بل لأنّ الذاكرة الجماعيّة في منطقتنا قلّما تحتفظ بالتبجيل وبالإعزاز لــ”زعماء” أو “رؤساء” طالما أنّ جلّهم كانوا “ملوكا أرانب” ..
وكان يسيرا أن يمتلك الخامنئي ثروة خيالية أو أن يعقد “تسوية” مع “الشيطان الأكبر” ليكون بلده منذ أمد بعيد خلوا من كلّ “عقوبات” و معفى من أيّ حصار .. ولكنّ ثمن البصيرة الاستراتيجية مكلف، وثمن الانتصار لفلسطين أعلى ..
تشييع خامنئي سيعيد طرح أسئلة أخرى بقسوة أشدّ … فرمزية الرجل وخصاله (تماما مثل حسن نصر الله) إيذان بتزلزل عقيدة الأنانية التي غذتها العولمة المتوحشة حين حولتنا مجرّد أرقام وسط قطيع تلهو به .. بل إنّ مكر التاريخ سيجعل ساعة بكاء خامنئي هي ذاتها ساعة بكاء نظام عالمي تتسارع خطوات أفوله بعدما أخذت الإمبراطورية الأمريكية طريق الانهيار وطفقت تفقد هيبتها حتّى إن كانت ما تزال تكابر، وما تزال ــ موضوعيّا ــ تمتلك قوة اقتصادية وتكنولوجية وعسكرية يُحسب لها ألف حساب (إلى حين) .
ومكابرة الأمريكان، لا تضاهيها غير مكابرة لفيف من “نخبنا” التونسية التي “تعرف كل شيء” .. وبدلا من انتقاد صمت تونس الرسمي حين شُنّت الحرب العدوانية على إيران، (بلد تربطنا به علاقات ديبلوماسية وهو عضو في المنتظم الأممي ..الخ الخ )، وصومها عن إدانة همجية الصهاينة وعربدة الأمريكان، ثمّ بعدما صمتت الخارجية دهرا، نطقت كفرا، فأظهرت الإشفاق على القواعد الأمريكية التي دُكّت في قطر والبحرين والكويت والسعودية والإمارات الجميلة ،بدعوى أنه “عدوان” على سيادتها ،، بدلا من ذلك سمعنا الأصوات تنتقد تمثيل تونس في مراسم التشييع من خلال حضور مفتي الديار ..
والحقيقة أنّ صورة المفتي في طهران بالجبة التونسية والعمامة الزيتونية مدعاة للفخر، لما تستبطنه من رسائل التعالي عن وباء الطائفية المقيت،، والمأخذ الحقيقي ليس إرساله إلى طهران، بل إيفاده وحده ،لا ضمن وفد وزاريّ عالي المستوى .. كأنّ ديبلوماسيتنا (المسكونة بالعلل) لم تستوعب بعد أهمية إيران لا فقط إقليميا بل دوليّا ،، وكأنها لم تستخلص مداليل الخيبة الأمريكية ـ الصهيونية وما يتأسس عليها من تبعات تحتم قيام موازين قوى جديدة ..وإذا كانت تونس الرسمية لم تدرك ذلك للأسف، فإنّ بعض دول الخليج قد سارعت إلى استيعاب الدرس القاسي وهي تعجّل برتق ما تخرّق ..
رحم الله الشهيد المرشد “الخامنئي” .. لقد أمسى موضوعيّا قائدا أمميا كبيرا ،، تتداعى وفود الدول لتوديعه وتحتشد الملايين لتشييعه، وأمّا “ترامب” فقد أقرّ أنه “يتابع” المراسم التوديعية التي انقلبت احتفالية بالنصر،ولكنّ المسكين لم يفهم سبب بكاء المودعين ..
ليت أحدهم يتطوع فيترجم له بيت المتنبي :
فَنالَ حَياةً يَشتَهيها عَدُوُّهُ ..
وَمَوتاً يُشَهّي المَوتَ كُلَّ جَبانِ!
الدكتور خالد كرونة- تونس
