معارك أخرى
صمود غزال
تقف بيروت، رغم الحرب المستمرّة، مُحتفظة بشيء من رونقها المعتاد. لكن بيروت ليست مدينة واحدة، بل هي مدن صغيرة تتقاسم الجغرافيا والناس والهموم. فحارة حريك لا تشبه الروشة، والغبيري تختلف تماماً عن الأشرفية. في الضاحية الجنوبية يترقّب الناس غارة أو تهديداً إسرائيلياً جديداً، فيما تمضي الحياة في أحياء أخرى على إيقاع مختلف. هناك، حيث البحر يرافق المدينة منذ زمن الفينيقيين، تبدو الحرب وكأنّها محصورة في شاشات التلفزة وإشعارات مجموعات “واتساب”. أمّا ما عدا ذلك، فأغانٍ سطحية تنبعث من السيارات على الكورنيش، وأحاديث عن مباريات كرة القدم، ويوميات تتشابه حدّ التطابق مع ما سبقها من أيّام. وفي شرق بيروت أيضاً، يستمر الروتين ذاته؛ فلا جديد يُقال ولا قديم يُستعاد.
تحوّلت العاصمة إلى لوحة من التناقضات. في شوارعها وأحيائها، يختلف الناس في كلّ شيء تقريباً. هناك من يؤيّد المقاومة، ومن يعارضها ويرفضها، وبينهما فئة رمادية يصعب الإمساك بموقفها. وقد تسمع الرأي ونقيضه يخرجان من الشخص نفسه خلال دقائق معدودة.
هذا التخبّط لخّصه سائق سيارة أجرة أقلّني من جسر الكولا إلى شارع الأسواق. قال وهو يراقب حركة السير المُتثاقلة: “بيروت عيلة… فيها المنيح والقبيح، المتعلم والجاهل، المقاوم والجاسوس”. ثم تابع حديثه الذي امتدّ على طول الطريق: “بتعرفي شوشو؟”. أجبته: “تقصد الممثل حسن علاء الدين؟”. هزّ رأسه موافقاً وأضاف: “شوشو اختصر الحكاية كلّها لما كان يقول: كيفك يا شخص؟”. ثم ابتسم ابتسامة ساخرة وأردف: “كان يعرف بيروت وناسها جيداً، وما كان بدو يعرف الاسم ولا الطائفة ولا المنطقة”.
التضامن المجتمعي لا يوازي حجم المأساة، وأنّ التكاتف الذي يُفترض أن تفرضه الكوارث يبدو هشاً ومحدوداً
قرب الأسواق التجارية في وسط بيروت، استقرّ عدد من النازحين القادمين من الضاحية الجنوبية في خيام أقيمت في محيط “البيال”. ثمّة من يمدّ لهم يد المساعدة، لكن نظرة سريعة إلى المشهد تكشف أنّ التضامن المجتمعي لا يوازي حجم المأساة، وأنّ التكاتف الذي يُفترض أن تفرضه الكوارث يبدو هشّاً ومحدوداً.
تفتح قنوات التلفزة المحلية، ثم تغلقها سريعاً؛ التحريض في ذروته، والاشتباكات الكلامية لا تهدأ. وكأنّ الجميع مُتمسّك بخنادقه الخاصة، حريص على تعميق الانقسام أكثر من البحث عن مساحة مشتركة. النقاش يدور دائماً حول حزب الله: معه أم ضده؟ أمّا الاحتلال الإسرائيلي، وما خلّفه ويخلّفه من قتل وتهجير ودمار منذ فلسطين وحتى لبنان، فيتراجع إلى الهامش أو يُذكر على استحياء.
هكذا تبدو بيروت اليوم. فبينما تدور المعركة الحقيقية في جنوب لبنان، تخوض العاصمة معارك أخرى؛ صغيرة، صاخبة، مُستهلكة. معارك تبدو، أمام شلال الدماء المستمر وسيول التهجير التي لا تتوقف، تافهة لا تليق بمدينة تقف على حافة الحرب.
