نوال عباسي- تونس
منتدى سيف القدس

ثمة سؤال يظل يلح على العقل كلما تصفحنا صفحات النقد الفكري في زماننا: لماذا نُسرع أحياناً إلى إعدام الأفكار قبل أن نمنحها حقها في الحياة؟ ولماذا نخلع على صاحبها تهمة “الوهم” أو “الانحراف” لمجرد أنه تجرأ على الخروج عن المألوف، أو اقترب من منطقة محظورة في وعينا الجمعي؟ إن الأفكار ليست مجرد كلمات عابرة، بل هي كائنات حية تحتاج إلى أن تُفهم في سياقها، وأن تُقرأ بعين المتأمل لا عين المتهم. وليس من الإنصاف أن نضرب الفكرة قبل أن نعيها، أو أن نُسقطها في هوة الاتهامات السريعة لمجرد أنها أزعجت يقينياتنا المريحة. فالنقد الحقيقي لا يبدأ بالرفض، بل يبدأ بالتمعن؛ والتفحص الحقيقي لا يحتاج إلى من يهشم، بل إلى من يفكك ليفهم. فالتاريخ – تاريخ الحضارات والشعوب – قائم على التراكم، لا على القطيعة، والماضي لا يُمحى بضربة فكر، بل يمتد في الحاضر ليصنع المستقبل، ومن يجهل هذه الحقيقة يظل أسير وهم الانطلاق من نقطة الصفر كل مرة.

في زخم الجدل الذي أعقب مداخلة الدكتور الحبيب الشوباني حول كتابه “المسألة اليهودية في عصر الطوفان” في حلقة من حلقات منتدى شباب سيف القدس، وقفنا أمام مقال نقدي نشر في موقع طوفان أراد تفكيك ما أسماه “الوهم الحضاري”، فإذا به يقدم لنا نموذجاً نادراً من المغالطات المتشابكة والارتباكات المعرفية التي تستحق – ليس رداً عليها بقسوة، بل تفنيداً منهجياً على طريقة “تهافت التهافت” – أن نكشف تهافتها بمنطقها هي ذاتها، لنريها كيف أن ما ظنته نقضاً للأطروحة هو في حقيقته هدم لقواعد النقد ذاتها. ذلك أن الناقد، حين يُغرق في لعبة الهدم، قد يغيب عنه أنه يهدم أسساً كان ينبغي أن يقف عليها ليُقيم بنيان نقده. وربما كان الأجدر به أن يسأل نفسه: هل فهمت الأطروحة حقاً قبل أن أُصدر حكمي عليها؟ وهل أعطيت الفكرة فرصة للظهور في أفضل صورها، أم أنني ألقيت عليها عباءاتي المسبقة فشوهتها؟

وقبل أن ندخل في تفنيد المغالطات ، لا بد من وقفة تأملية مع جذور هذا المفهوم الذي استهجنته الناقدة واستخفّت به. فحين يتحدث الشوباني عن “الحل الحضاري الإسلامي”، فهو لا يبتكر فكرة من فراغ، ولا يخترع خطاباً مستورداً، بل هو وريث مشروع فكري امتد لعقود، وتجذر في أعمال روّاد النهضة الإسلامية الذين سبقوه. فمالك بن نبي، ذلك المفكر الجزائري الذي امتلك ناصية التحليل الحضاري، لم يكن يكتب عن “المسألة اليهودية” بمعزل عن مشروعه النهضوي الكبير. لقد أدرك منذ وقت مبكر، وتحديداً في كتابه “وجهة العالم الإسلامي: المسألة اليهودية” الذي كتبه عام 1952، أن هذه المسألة ليست مجرد أزمة عابرة، بل هي جزء من معضلة الحضارة الإسلامية برمتها. كان بن نبي يرى في الإسلام “الملجأ الروحي للحضارة الإنسانية”، وأن معالجتها تتطلب استراتيجيات وتخطيطاً واضحاً، وهو جوهر ما نسميه اليوم “الحل الحضاري”. أما الإمام الخميني، فقد مثّل هذا المنحى في جانبه السياسي الأكثر حسماً؛ نظر إلى الصهيونية ليس كدولة معادية، بل كـ”قاعدة عسكرية استكبارية زرعت في قلب العالم الإسلامي”، ورأى أن مواجهتها تتطلب مشروعاً إسلامياً شاملاً يعيد الأمة إلى رشدها الحضاري، بل ذهب إلى التفريق بين “حساب اليهود” و”حساب الصهاينة”، معتبراً أن مصير اليهود بعد القضاء على المشروع الصهيوني سيكون كمصيرهم في إيران بعد سقوط الشاه، وهي رؤية تتفق مع منطق “التحرير المزدوج” الذي طرحه الشوباني لاحقاً. والراحل أنيس النقاش، ذلك المناضل اللبناني الفلسطيني، حمل هذا الهمّ نفسه، معتبراً أن الحل لا يكمن في المناكفات السياسية، بل في مشروع نهضوي شامل يضع القضية في إطارها الحضاري والإسلامي. ومن هنا انبثق “حل العودتين” كامتداد عملي لهذه الرؤية: عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، وعودة اليهود المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية، وهو حل يتجاوز ثنائية “الدولتين” الضيقة نحو تصور أكثر عدالة يسعى إلى تفكيك المشروع الاستيطاني بجذوره. فالشوباني، إذاً، لم يأت بجديد من حيث الجوهر، بل أعاد صياغة رؤية متراكمة بلغة عصرية تناسب مرحلة “طوفان الأقصى” وما بعده. وهذا وحده كافٍ لتفنيد اتهام المقال الناقد له بـ”الفضفاضة” و”الرومانسية”، فالفكرة التي تمتد جذورها إلى عقود من التفكير الجاد لا يمكن اختزالها في تهمة عابرة.

يبدأ المقال النقدي بافتراض أن حديث الشوباني عن “الحل الحضاري الإسلامي” هو “إفراط في الاتكال على المقولات الفضفاضة” و”إغراق في الرومانسية الفكرية”. لكن هذا الافتراض يقوم على مغالطة معرفية واضحة: ظن أن تأطير الصراع في إطار حضاري يعني بالضرورة إهمال أبعاده المادية والجغرافية.

وكأن الصراع مع الكيان الصهيوني يجب أن يُفهم فقط من خلال خرائط الحدود والممرات المائية، بينما الحقيقة أن الكيان نفسه لم يغز فلسطين بالدبابات فقط، بل جاء محملاً بـ”أرض الميعاد” و”شعب الله المختار” كأساس لاهوتي لاغتصاب الأرض. فكيف يمكن مواجهة مشروع يستند إلى لاهوت استيطاني بأدوات جغرافية بحتة؟ إن هذا ليس واقعية، بل هو هروب من مواجهة العدو في ساحة الفكر التي يخوضها هو بشراسة، بينما نكتفي نحن بردود فعل دفاعية لا تخلق بديلاً، ولا تفكك الأسس التي يقوم عليها. إن من يرفض البعد الحضاري للصراع، كمن يحارب شجرة بقطع أغصانها متجاهلاً جذورها الممتدة في الأعماق. وما الفرق بين من يختزل الصراع في الجغرافيا ومن يختزله في اللاهوت؟ كلاهما اختزال، والحقيقة أن الصراع الصهيوني معقد، يمزج بين الأرض والفكرة، والسلاح والعقيدة، والماضي والمستقبل. ومن هنا كانت ضرورة مشروع يجمع الأبعاد كلها، وهو ما سعى إليه روّاد “الحل الحضاري” عبر عقود.

ثم ينتقل المقال إلى تفنيد مفهوم “الحوض الحضاري الإسلامي” ويتهمه بإلغاء الخصوصيات الإقليمية للمشرق ومصر والمغرب، ويُفصّل في الحديث عن التراكمات السومرية والفرعونية والأمازيغية، وكأنه يريد أن يثبت أن هذه الأقاليم كانت موجودة قبل الإسلام، وبالتالي فإن الحديث عن وحدة حضارية إسلامية هو اختزال مرفوض. لكن هنا يظهر التهافت الأول: فالمقال يستخدم في نقاشه مصطلحات مثل “المشرق” و”العالم العربي” و”المنطقة” كأطر جامعة، دون أن يرى أنه يقوم بنفس “الاختزال” الذي ينتقده. والأعمق من ذلك أن فكرة التراكم الحضاري التي يستند إليها المقال لإثبات الخصوصيات هي نفسها التي تدحض حجته. فالتاريخ الحضاري ليس تاريخاً من القطع، بل هو تاريخ تراكمي؛ فالحضارة المصرية القديمة لم تمت حين جاء الإسلام، بل تفاعلت معه وصبغته بخصائصها، كما أن التراث الأمازيغي لم يختفِ مع الفتح الإسلامي، بل استمر وأثّر وتأثّر. وهذا التراكم هو بالضبط ما يعنيه مفهوم “الحوض الحضاري الإسلامي”: ليس إلغاءً للماضي، بل وعاءً يستوعب تراكمات الماضي ويؤطرها في وحدة مصير جديدة. فالمصري اليوم يحمل في وجدانه جينات الفراعنة والأقباط والعرب والمسلمين، والمغربي يحمل الأمازيغية والبونيقية والإسلامية، وهذا لا يلغيه بل يثريه. ومن يظن أن الوحدة الحضارية تعني محو هذه التراكمات، فهو يخلط بين الوحدة القسرية التي تنفي الخصوصيات، والوحدة التراكمية التي تستوعبها وتؤطرها. تماماً كما أن نهر النيل يجمع روافد متعددة ولكل رافد طعمه ولونه، لكنها جميعاً تصب في مجرى واحد يصنع حضارة واحدة. إن اعتراف المقال بخصوصيات هذه الأقاليم لا ينفي وجود قواسم مشتركة تربطها، بل يؤكدها، لأن هذه الخصوصيات لم تنشأ في عزلة، بل تفاعلت وتراكمت عبر قرون من التبادل والتأثير المتبادل.

أما أطرف مواطن التهافت في المقال، فتتجلى في موقفه من فكرة “التحرير المزدوج” التي طرحها الشوباني مستنداً إلى كتابات عقلاء يهود مثل نعومي كلاين، لكنه يغفل – أو يتناسى – أن جذور هذه الفكرة تمتد إلى الإمام الخميني نفسه، الذي ميز بين “حساب اليهود” و”حساب الصهاينة”، وإلى مشروع “العودتين” الذي نادى به أنيس النقاش وغيره. يصف المقال هذا الطرح بأنه “ترف فكري ينفصل عن دموية الواقع”، ويعتبر أن الرهان على تحرير العقل الصهيوني من صهيونيته قبل تفكيك المنظومة الاستعمارية هو “وضع العربة أمام الحصان”. لكنه هنا يقع في مغالطة المنهج المتسلسل: الظن أن الأمور لا بد أن تسير بتسلسل أحادي، إذ لا يمكن العمل على الجبهتين معاً. وهو ينسى – أو يتجاهل – أن كل حركات التحرر الكبرى في التاريخ لم تكتفِ بهدم الأنظمة الاستعمارية، بل عملت أيضاً على بناء رؤية لما بعد التحرير. حين قاد نيلسون مانديلا النضال ضد نظام الفصل العنصري، لم يكن يحلم فقط بطرد البيض، بل كان يحلم بجنوب أفريقيا جديدة يتحرر فيها السود من العبودية ويتحرر فيها البيض من العنصرية. لم يكن ذلك ترفاً فكرياً، بل كان جوهر الحكمة السياسية التي حالت دون تحول البلاد إلى مستنقع دماء. إن رفض التفكير في “اليوم التالي” ليس شجاعة، بل هو هروب من المسؤولية، وهو الذي يجعل الانتصارات العسكرية تتبخر بسرعة لأنها لا تُبنى على أسس فكرية راسخة. والسؤال الذي لا يجيب عليه المقال: إذا لم نخطط لتحرير العقول الصهيونية من أيديولوجيتها، فماذا سنفعل بملايين اليهود بعد إزالة الكيان اللقيط؟ هل سنبني لهم غيتوات جديدة؟ أم سنطردهم؟ أم سنحتاج في النهاية إلى مشروع حضاري يعيد تعريف العلاقة مع “الآخر” الذي عاش معنا قروناً قبل أن يفسده الاستعمار؟ وهنا يأتي دور “حل العودتين” الذي يقدّم إجابة عملية: عودة الفلسطينيين إلى ديارهم، وعودة اليهود المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية، وهو ما يحقق العدالة للجميع دون حاجة إلى إعادة إنتاج آليات الفصل العنصري.

هذه أسئلة لا يمكن تأجيلها إلى ما بعد النصر، لأن تأجيلها يعني أن نصنع نصراً لا نعرف كيف نديره، وهو ما يعني غالباً أن نعيد إنتاج المآسي وارتكاب الاخطاء بأشكال جديدة.

ويقع المقال في تهافت آخر حين يتحدث عن “اقتصاد الإبادة” و”الكارتيل الرأسمالي” كتفسير للصهيونية، ثم يعود ليؤكد على “العقيدة الدينية للشعب المختار” و”النصوص الإبادية في سفر التثنية”، ويستخدم قصة المرأة الصهيونية في تايلاند كدليل على المرض النفسي الجمعي، ثم ينقلب في اللحظة التالية ليقول إن أي حديث عن تفكيك هذه العقيدة هو “ميتافيزيقا مائعة”! فإذا كانت الصهيونية بالفعل تلك المنظومة المركبة التي تمزج بين مصالح وول ستريت وعقيدة التوراة، فكيف يمكن هزيمتها بأدوات عسكرية فقط؟ أليس من الضروري أن نمتلك سلاحاً فكرياً يفكك أساطيرها، ويقدم بديلاً لأتباعها، ويشق صفوفها من الداخل؟ إن ازدراء الفكرة لا يضعف العدو، بل يقوّيه، لأنه يتركه يمتلك الحكر على السرديات والمعاني. وهذا التهافت يذكرنا بمن يصف السرطان بأنه خلايا خبيثة ثم يصف الأسبرين كعلاج! إذا كانت الصهيونية مركبة بهذا التعقيد، فعلاجها لا بد أن يكون مركباً أيضاً، وهو ما تقدمه مشاريع “الحل الحضاري” المتعددة، من مالك بن نبي إلى الخميني إلى الشوباني، التي تسعى إلى معالجة الجذور الفكرية والعقدية والاقتصادية في آن واحد.

أما دعوى “حمل العبء الغربي” التي يكررها المقال بحماسة، فتنم عن قراءة انتقائية للتاريخ تصل إلى حد المغالطة السببية. فهو يصر على أن المسألة اليهودية هي “أزمة أوروبية-أوروبية بامتياز”، ويتهم الشوباني بـ”التبرع بالحلول” و”التطوع بحمل وزر جريمة تاريخية أوروبية”. لكنه هنا يخلط بين التشخيص التاريخي والواقع الراهن. نعم، الغرب هو من أنتج الصهيونية وصدّرها إلينا، لكن هذا لا يعني أن منطقتنا في منأى عن تبعات التعامل مع هذا الوجود. إن الكيان الصهيوني اليوم موجود على أرض فلسطين، وليس في لندن أو واشنطن. والتعامل مع هذا الوجود ليس “تبرعاً بحلول لأزمة غربية”، بل هو ضرورة وجودية تفرضها الجغرافيا والديمغرافيا. إن انتظار أن يأتي الغرب ليصلح ما أفسده هو أشبه بانتظار غودو وخلاصنا سيكون كخلاص شخصيات بيكيت، لن يأتي من الخارج. لن يأتي من انتظار غودو، سواء كان غودو شخصاً، أو دولة، أو وعياً غربياً مستفيقاً. يأتي من الداخل، من الإرادة والقرار الذاتي، ومن مشروع نهضوي يضع مصير الأمة في يدها، لا في انتظار من لا يجيب. هذا هو جوهر “الحل الحضاري” الذي يستند إلى التراكم التاريخي للأمة، لا إلى انتظار خلاص وهمي. وهذا لا يعني أن نغسل أيدي الغرب من مسؤوليته، بل يعني أننا لن نترك مصيرنا مرهوناً بإصلاح ضمير أوروبي قد لا يأتي أبداً. وروّاد “الحل الحضاري” لم يكونوا يوماً من دعاة الاسترضاء أو التطبيع، بل كانوا من أشدّ المنتقدين للاستعمار الغربي، ولكنهم أدركوا أن الانتصار على الاستعمار يتطلب بناء الذات قبل هدم الآخر.

ويصل المقال إلى ذروة تهافته حين يناقش التاريخ الإسلامي للتعايش. هو يصر على أن السجل التاريخي لم يكن “ناصعاً”، ويستشهد بحالات متفرقة من التوتر في اليمن والمغرب، وكأنه يريد أن يسقط كل التجربة ببعض الاستثناءات. لكن المقارنة العادلة ليست بين المثالي والواقعي، بل بين التجربة الإسلامية والتجربة الأوروبية في التعامل مع الأقليات. فبينما كانت أوروبا تمارس محاكم التفتيش والمذابح والطرد الجماعي لليهود، كانت المجتمعات الإسلامية تعرفهم كـ”أهل ذمة” لهم حقوق وعليهم واجبات، وعاشوا قروناً في الأندلس وبغداد والقاهرة دون أن يعرفوا ما يشبه المحرقة الأوروبية. هذا لا يعني أن التاريخ الإسلامي كان مثالياً، بل يعني أنه كان أفضل بكثير من البديل الأوروبي، وهذا هو المعيار الصحيح للمقارنة. أما انتقاد التاريخ الإسلامي وكأنه كان يجب أن يكون خالياً من أي توتر، فهذه طوباوية منهجية لا تنطبق على أي مجتمع بشري في التاريخ. وباستخدام نفس المنطق، يمكن القول: بما أن تاريخ أوروبا فيه حروب دينية ومحاكم تفتيش، إذن المسيحية كلها “مرض نفسي جمعي”! وهذا ليس تحليلاً، بل هو إلغاء للآخر تحت غطاء النقد.

إن ما يفعله المقال، دون أن ينتبه، هو تحويل الصراع مع الصهيونية إلى معادلة بسيطة: أرض + سلاح = تحرير. في حين أن تجارب التاريخ تؤكد أن تحرير الأرض دون تحرير العقول من الأساطير الاستعمارية هو انتصار ناقص، قد يعيد إنتاج الهزائم بأشكال جديدة. الشوباني – ومالك بن نبي والخميني والنقاش من قبله – لم يدعوا قط إلى استبدال المقاومة المسلحة بالحوار اللاهوتي، بل دعوا إلى إضافة بُعد استراتيجي جديد: تفكيك الأسس الفكرية للعدو، وبناء رؤية حضارية لما بعد التحرر. ومن يعتبر هذا “تسييلاً للصراع” أو “ترفاً فكرياً”، فعليه أن يسأل نفسه: لماذا تحول ما يسمى بنصر حرب اكتوبر الى كامب ديفيد .

أليس لأننا كنا ننتصر في الميدان ونخسر في الفكرة؟ لقد هزمنا جيوش العدو أكثر من مرة، لكننا لم نبني دولة، ولم نصنع سلاماً، لأننا لم نكن نمتلك رؤية لما بعد المعركة. وهذا هو بالضبط ما يحاول روّاد “الحل الحضاري” سدّه بطرحهم الذي يمتد عبر عقود من التفكير الجاد، والذي يقدم مشاريع عملية كـ”حل العودتين” التي تتجاوز الشعارات إلى خطط قابلة للتطبيق.

وإذا كان المقال يخشى أن يؤدي هذا الطرح إلى “توفيقية” أو “استرضاء”، فهذه خشية مشروعة لكنها لا تبرر رفض الطرح كله. فالخوف من سوء الفهم لا ينبغي أن يحول دون التفكير بجرأة في المستقبل. المقال يملك حقاً في القلق من أي طرح قد يُفهم خطأً على أنه تهاون، لكن القلق لا ينبغي أن يصبح عائقاً أمام تطوير الرؤية الاستراتيجية. فمن يرفض كل فكرة لا تنتمي إلى خطابه الأيديولوجي الضيق، يصبح في النهاية أسير خطابه ذاك، ويظل يدور في حلقة مفرغة من التشنج دون أفق. وهذا بالضبط ما يعانيه الفكر العربي في كثير من محطاته: إما انبهار بالحلول الوافدة، أو جمود في الموروث، وقليلون هم من يبحثون عن تركيب يزاوج بين الأصالة والمعاصرة، بين الجذور والتجديد. وروّاد “الحل الحضاري” قدّموا نموذجاً لهذا التركيب، فاستلهموا من تراث الأمة قيم العدل والتعايش، ومن واقعها هموم التحرر والنهضة، ومن آفاق المستقبل رؤية شاملة تتجاوز ردود الفعل إلى بناء المشاريع.

لعل أجمل ما في أطروحات “الحل الحضاري” – قديماً وحديثاً – أنها لم تقدم لنا إجابات جاهزة، بل فتحت أبواباً كانت موصدة، وطرحت أسئلة كانت مؤجلة. قد يختلف المرء مع تفاصيلها، وهذا حق بل واجب، لكن الاختلاف لا يبرر تحويل النقاش من ساحة الأفكار إلى ساحة الاتهامات. الشوباني، وبن نبي، والخميني، والنقاش، لم يقولوا إن “الحل الحضاري” بديل عن المقاومة، بل قالوا إنه إطار أوسع لإدارة الصراع وما بعده. قد لا يوافق المقال، لكن كان عليه أن يناقش الفكرة في جوهرها، لا أن يتهم أصحابها بـ”تمرير التنازلات” أو “التزويق الأخلاقي” دون دليل. فالنقد العلمي يبدأ حيث تنتهي الاتهامات الشخصية، وحيث تبدأ مناقشة الأفكار بموضوعية وإنصاف. وهل هناك إنصاف أكبر من أن نعترف لهؤلاء المفكرين أنهم يطرحون رؤى تستحق النقاش، حتى لو اختلفنا معها في كثير من تفاصيلها؟

وفي ختام هذه المراجعة النقدية، يظل السؤال الأهم معلقاً في الهواء: هل نريد فعلاً تحريراً حقيقياً، أم نريد فقط أن نظل في موقع الاتهام الأبدي؟ هل نريد بناء وطن، أم نريد أن نكون أبطالاً في قصة لا تنتهي؟ إن التحول من منطق “نحن ضدهم” إلى منطق “كيف نعيش معاً بعد التحرير” ليس ترفاً فكرياً، بل هو جوهر النضج السياسي والأخلاقي. الطوفان الذي نعيشه الآن سينحسر يوماً، وستنحسر المياه، وسيجد الناس أنفسهم على أرض جديدة تحتاج – أكثر من أي وقت مضى – إلى رؤية تبني لا خطابات تهدم، وإلى مشروع يجمع لا اتهامات تفرق. وعندها فقط، سندرك أن “الوهم الحضاري” لم يكن وهم روّاده من مالك بن نبي إلى الخميني إلى النقاش إلى الشوباني، بل كان وهم من ظن أن الحضارة تُبنى بالشعارات، وأن التحرر يتحقق بإنكار تعقيدات الواقع، وأن المعركة مع العدو تغنينا عن المعركة مع أنفسنا. لأن أعظم الانتصارات ليست تلك التي تحققها المدافع، بل تلك التي تزرعها الأفكار في قلوب الأعداء قبل الأصدقاء، وتجعل النصر ممكناً ليس فقط في ساحات القتال، بل في عقول الأجيال القادمة التي سترث أرضاً محررة، وتحتاج إلى فكرة تحميها من العودة إلى مستنقعات الماضي.

إقرأ أيضا(مقال تفكيك الوهم الحضاري)