تحليل بيان وزارة الخارجية الامريكية
وتصريحات وزير حرب العدو وبن غفير ورئيس الجمهوية جوزيف عون
الباحث والمحلل السياسي: يحيى دايخ
4 حزيران 2026

سأتعامل مع هذه المعطيات بوصفها مادة للتحليل السياسي والاستراتيجي، لأن البنود الخاضعة للتحليل منقولة من تسريبات وتصريحات إعلامية متفرقة وليست كلها واردة في نص رسمي منشور.
لكن إذا أخذناها كحزمة سياسية متكاملة، فإنها تسمح باستخلاص عدد من الدلالات العميقة.

أولاً: ما الذي يجري فعلياً؟

  • القراءة السطحية تقول إن هناك اتفاقاً لوقف إطلاق النار يُعمل عليه بين لبنان والكيان المحتل برعاية أمريكية.
  • أما القراءة الاستراتيجية فتقول إن ما يجري هو محاولة لإعادة “هندسة البيئة الأمنية والسياسية” في لبنان، وليس مجرد وقف للأعمال العسكرية.
  • فرئيسيات الوثيقة كما تظهر من التسريبات لا تركز على:
  • وقف العدوان الإسرائيلي.
  • الانسحاب الإسرائيلي الكامل.
  • عودة الأسرى.
  • إعادة الإعمار.
  • عودة السكان الى بلداتهم وأعمالهم.
  • معالجة الخروقات الإسرائيلية ووضع حد لها.
  • بل تركز بصورة شبه حصرية على:
  • إبعاد المقاومة عن الجنوب.
  • نزع فعاليتها العسكرية.
  • تسليم الملف “الأمني” (بالنظرة الإسرائيلية) للدولة اللبنانية.
  • إنشاء واقع أمني جديد يخدم الرؤية الإسرائيلية.
  • وهنا نكون أمام انتقال من “إدارة الحرب” إلى “إدارة نتائج الحرب” (بإعتبار أن الإسرائيلي هو المنتصر).

ثانياً: منطق الاتفاق

  • يمكن وصف الاتفاق بأنه يقوم على معادلة واحدة:
  • على المقاومة أن تقدم التنازلات الميدانية فوراً، بينما تحصل “إسرائيل” على ضمانات أمنية وسياسية طويلة الأمد.
  • فالبيان لا يتحدث عن:
  • منطقة منزوعة السلاح داخل فلسطين المحتلة.
  • تقييد سلاح الجو والبحر والبر الإسرائيلي.
  • وقف الاغتيالات.
  • وقف الاستطلاع الجوي.
  • بينما يتحدث بشكل واضح عن:
  • إخلاء جنوب الليطاني من المقاومة (يعني من أبنائه).
  • تفكيك البنية العسكرية للمقاومة.
  • سيطرة الجيش اللبناني حصراً (والسيطرة هنا بالمفهوم الإسرائيلي).
  • استمرار حرية العمل الإسرائيلي.
  • وهذا يكشف خللاً بنيوياً في ميزان الالتزامات.
  • فالطرف المطلوب منه أن يغيّر سلوكه جذرياً هو لبنان والمقاومة، بينما الطرف الذي يحتفظ بحرية الحركة هو إسرائيل.

ثالثاً: أخطر ما في النص البيان لوزارة الخارجية الأمريكية

  • ليست قضية جنوب الليطاني. بل عبارة:
    “استئناف المفاوضات المباشرة بين لبنان و”إسرائيل” لمعالجة جميع القضايا العالقة والعمل نحو اتفاق شامل”.
  • هذه الجملة هي جوهر كل ما يجري. لأنها تنقل العلاقة من:
  • حالة صراع. إلى
  • حالة تفاوض سياسي مباشر يعترف بالمُعتدي والمحتل الذي يعتبر نفسه “منتصراً”.
  • ومن:
  • إدارة نزاع حدودي. إلى
  • مسار سياسي مفتوح على كل شيئ.
  • ولهذا فإن الحديث عن الجنوب قد يكون في الحقيقة بوابة لمسار أوسع بكثير.

رابعاً: لماذا تصر واشنطن على المفاوضات المباشرة؟

  • لأن الولايات المتحدة تدرك أن القوة العسكرية الإسرائيلية وحدها لم تنجح تاريخياً (في كل حروب “إسرائيل”) في إنتاج “شرق أوسط جديد”.
  • لذلك يجري الانتقال إلى مرحلة أخرى تقوم على:
  • استنزاف المقاومة عسكرياً.
  • عزلها سياسياً.
  • تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية ضبطها.
  • تحويل أي رفض للمسار الجديد إلى صدام داخلي لبناني.
  • بمعنى آخر:
  • بدلاً من أن تواجه “إسرائيل” المقاومة مباشرة، يصبح على الدولة اللبنانية مواجهة المقاومة باسم الشرعية الدولية.
  • وهذا تطور بالغ الخطورة.

خامساً: دلالة تصريحات الرئيس جوزاف عون

  • أكثر عبارة لافتة هي:
  • “هذه الفرصة الأخيرة وإلا فليتحمل كل فريق مسؤولياته.”
  • سياسياً تحمل هذه العبارة أكثر من معنى.
  • فهي لا تُفهم كرسالة إلى إسرائيل.
  • لأن إسرائيل لم تُهدَّد بعواقب رفض الاتفاق.
  • بل تُفهم كرسالة إلى الأطراف اللبنانية الرافضة (جميع القوى الوطنية الرافضة وأولها الثنائي الوطني).
  • أي أن المسؤولية عن فشل المسار تُنقل مسبقاً إلى الداخل اللبناني.
  • وهنا يظهر تحول في موقع السلطة:
  • من موقع “الوسيط” (على سبيل حسن الظن) بين الضغوط الخارجية والداخلية،
  • إلى موقع الشريك في فرض المسار الجديد.

سادساً: لماذا اختيرت الشقيف وزوطر؟

  • هنا نصل إلى البعد العسكري الحقيقي.
  • إذا صحت المعطيات المتعلقة بإدخال:
  • زوطر الغربية.
  • زوطر الشرقية.
  • منطقة الشقيف.
  • ضمن “المرحلة التجريبية”، فإن الاختيار ليس عشوائياً.
  • فهذه ليست مناطق هادئة، سهلة مُيسر العمل فيها.
  • بل مناطق تشكل عقداً عملياتية ميدانية ساخنة جداً ومهمة في الجبهة الجنوبية.
  • لذلك يمكن تفسير الأمر باعتباره محاولة لـ:
  • فصل المقاومة عن خطوط تماس حساسة جداً في البعد الآني والآجل.
  • تقليل قدرة الاستنزاف ضد القوات الإسرائيلية وتحقيق أهم أهدافها على هذا المحور.
  • خلق حزام أمني جديد بأدوات لبنانية بدلاً من أدوات إسرائيلية مباشرة (سعد حداد رسمي).
  • أي أن الجيش اللبناني يتحول عملياً إلى عنصر فصل بين المقاومة والعدو أو بالواقع (حارس للمحتل وليس للوطن).
  • وهذا ما يفسر الحساسية الكبيرة لهذا البند.

سابعاً: ماذا تكشف تصريحات كاتس؟

  • تصريحات وزير الحرب الإسرائيلي ربما تكون أهم من نص الاتفاق نفسه.
    لأنه يقول عملياً:
  • سنبقى في الشقيف.
  • سنبقى حتى ب”الخط الأصفر”.
  • سنمنع عودة السكان.
  • سنحتفظ بحرية الضرب في بيروت، وأي مكان في لبنان.
  • أي أن “إسرائيل” تتحدث بعقلية المنتصر الذي يفرض شروطاً أمنية طويلة المدى.
  • لكن المفارقة أن هذه التصريحات نفسها تكشف قلقاً إسرائيلياً عميقاً.
  • فلو كانت “إسرائيل” واثقة من انتهاء التهديد نهائياً لما أصرت على:
  • البقاء الميداني.
  • المنطقة الأمنية.
  • منع العودة.
  • حرية الضرب الاستباقي.
  • كل ذلك يدل على أنها لا تزال ترى أن المقاومة قادرة على إعادة بناء قدراتها.

ثامناً: لماذا يعارض بن غفير الاتفاق؟

  • كثيرون يظنون أن معارضة بن غفير دليل على أن الاتفاق جيد للبنان.
  • وهذا استنتاج متسرع وغير صحيح.
  • اليمين الإسرائيلي المتطرف يريد:
  • الحسم الكامل.
  • الاحتلال المباشر.
  • التهجير.
  • القضاء النهائي على المقاومة.
  • إقامة المستوطنات.
  • أما المؤسسة الأمنية فتريد تحقيق الأهداف نفسها ولكن بأدوات أقل كلفة.
  • لذلك فالخلاف هنا ليس بالضرورة على الغاية.
  • بل على الوسيلة.

الخلاصة الاستراتيجية

  • إذا جمعت كل هذه المعطيات معاً، فإن الصورة التي تتشكل هي الآتية:
  • ليست هناك مجرد إتفاق أو هدنة.
  • وليست هناك مجرد ترتيبات عسكرية أمنية جنوب الليطاني.
  • بل محاولة لإنشاء نظام أمني جديد في لبنان تكون فيه:
  • “إسرائيل” صاحبة التفوق السياسي والأمني والعسكري.
  • الولايات المتحدة الضامن السياسي غير النزيه.
  • الدولة اللبنانية أداة التنفيذ وظائفي الميداني.
  • الجيش اللبناني القوة الحصرية المسلحة المحكومة للقرار السياسي.
  • بالتالي تكون المقاومة أمام خيارين: التكيّف مع الواقع الجديد أو الدخول في مواجهة سياسية وأمنية طويلة الأمد.
  • أما السؤال الأهم فهو:
  • هل ما يجري يمثل نهاية دور المقاومة أم بداية مرحلة جديدة من الصراع بأشكال مختلفة؟
  • التجارب التاريخية من جنوب لبنان إلى العراق وأفغانستان وغزة تشير إلى أن نزع النفوذ العسكري لأي حركة مقاومة لا يعني بالضرورة إنهاءها سياسياً أو اجتماعياً.
  • وغالباً ما يؤدي انتقال الصراع من الميدان العسكري إلى المجال السياسي والشرعي والشعبي إلى نشوء أشكال جديدة من التنافس والصدام.
  • لذلك فإن أخطر ما في هذه التطورات ليس البند العسكري نفسه، بل محاولة إعادة تعريف هوية لبنان الأمنية والسياسية وموقعه في معادلة الصراع مع “إسرائيل” لعقود مقبلة.