تراتبية الموت واستباحة الأجساد: تفكيك بنيوي لسياسات التجريد من الإنسانية في شهادة د. مئيرة فايس
د.نبيلة عفيف غصن
مقدمة: عندما يتحول المشرط الطبي إلى أداة استعمارية
لم تكن نشأة العلوم الطبية الحديثة، في جوهرها الأخلاقي، إلا محاولة إنسانية لحماية الجسد البشري من غوائل الألم والفناء. بيد أن هذه الغاية النبيلة تنحرف عن مسارها بشكل مأساوي عندما تقع الأسس العلمية والمؤسسية في قبضة أيديولوجيات استعمارية ترى في إنسان “الآخر” مجرد مادة حيوية قابلة للاستهلاك والتدوير الحصري.
إن التصريحات والشهادات الأكاديمية الصادمة التي أدلت بها عالمة الأنثروبولوجيا الإسرائيلية د. مئيرة فايس [1]، لا تمثل مجرد آراء عابرة أو زلات لسان؛ بل هي وثيقة إدانة مؤسساتية وتاريخية زلزلية تفكك البيئة البنيوية داخل معهد الطب الشرعي الإسرائيلي “أبو كبير” خلال فترة التسعينيات [2].
تدق هذه الشهادة الموثقة ناقوس الخطر الأخلاقي، وتجبر العقل النهضوي والتحليلي على إعادة قراءة الكيفية التي تُدار بها آلة الهيمنة؛ فالهيمنة لا تتوقف عند حدود السيطرة على الأرض والفضاء الجغرافي أو عبر ترسانات الأسلحة والحواجز العسكرية، بل تمتد لتخترق الأبواب المغلقة للمختبرات وعلى طاولات التشريح، حيث يجري تجريد الإنسان المستضعف من حرمة موته بعد أن سُلب من حقوق حياته وسيادته.
المحور الأول: جغرافيا الفصل العنصري في عالم الأموات (“المقدس” في مواجهة “المستباح”)
تنطلق د. مئيرة فايس في رصدها الأنثروبولوجي من قاعدة تصنيفية حادة تلخص جوهر العقيدة الاستعمارية وسياستها في فرز البشر وتحديد قيمتهم الحيوية. إن العبارة المحورية التي نقلتها فايس عن آليات العمل داخل المعهد تكشف عن “خط فصل عنصري تشريحي” يقسم الأجساد إلى فئتين لا تلتقيان:
”نحن لا نلمس جثث الجنود… نأخذ الأعضاء من الآخرين. من؟ من الفلسطينيين، ثم من المهاجرين الجدد والعمال الأجانب.” [1]
هذا الفرز الصارم يعكس تراتبية عنصرية واضحة تعيد إنتاج علاقات القوة حتى بعد الموت:
الفئة الأولى: الجسد المقدس الحصين: ويتمثل في جسد الجندي. هذا الجسد يحاط بهالة من التبجيل القومي والديني والمؤسساتي، وتعتبر سلامته التشريعية بعد وفاته مسألة سيادية وأخلاقية مطلقة لا يمكن المساس بها. إن حماية الجثة من التشويه أو نزع الأحشاء تعكس اعتراف المنظومة بإنسانيته الكاملة وحقه في ميتة كريمة ودفن لائق وفقاً لطقوس مجتمعه وثقافته.
الفئة الثانية: الجسد المستباح السلعي: وهو الجسد الذي ينتمي إلى “الآخر” المطلق في وعي المؤسسة. في هذا السياق، يتصدر الفلسطيني (الواقع تحت نير الاحتلال المباشر) هذه القائمة، يليه في التراتبية الطبقية المهاجرون الجدد والعمال الأجانب الوافدون من دول العالم الثالث. هؤلاء لا تنظر إليهم البيروقراطية الطبية كذوات بشرية تمتلك حرمة الموت، بل كـ “مخازن بيولوجية” أو “قطع غيار” مجانية ومتاحة لسد احتياجات الفئة الأولى وتغذية بنوك الأعضاء والجلود والقرنيات التابعة للمؤسسة الطبية والعسكرية [2].
إن هذا الفرز العنصري يثبت أن الاستعمار لا يكتفي بالسيطرة السياسية والاقتصادية، بل يمتد ليشمل “الجغرافيا الحيوية” للأفراد، محولاً أجساد المستضعفين إلى مستعمرات صغيرة يتم اجتياحها ونهب ثرواتها البيولوجية الكامنة دون أدنى رادع إنساني.
المحور الثاني: “سياسة الموت” (Necropolitics) ومأسسة الجريمة الطبية
من الأخطاء المعرفية القاتلة في تحليل مثل هذه الاعترافات والأبحاث الأنثروبولوجية، حصر الفظائع في إطار “انحراف سلوكي فردي” لمدير معهد أو طبيب جراح فاقد للضمير. إن النص التفصيلي لشهادة فايس والدراسات المعمقة التي أجرتها تؤكد أننا أمام ممارسة ممنهجة وممأسسة علمت بها ووفرت لها الغطاء أطراف متعددة داخل الهيكل الطبي والسياسي الرسمي.
هنا يتجلى بوضوح مفهوم “سياسة الموت” (Necropolitics) الذي صاغه الفيلسوف أشيل بمبي [3]، كامتداد لمفهوم “السياسة الحيوية” (Biopolitics) عند ميشيل فوكو [5]. تعني سياسة الموت باختصار: “قدرة السيادة والسلطة على تحديد من يجوز له العيش ومن يجب أن يموت”، وكيف يتم استغلال أجساد الموتى إذا كانوا ينتمون إلى الجماعة المستضعفة أو الواقعة تحت الاحتلال.
تحول معهد “أبو كبير” للطب الشرعي، تحت الإدارة التنفيذية للدكتور يهودا هس [2] وبناءً على ما رصدته فايس علمياً، من مرفق علمي جنائي وظيفته الأصلية تحقيق العدالة وكشف أسباب الوفاة، إلى خط إنتاج بيروقراطي بارد يتغذى على أجساد الضحايا.
لقد جرى دمج الطب الشرعي في خدمة المنظومة الطبية والعسكرية العامة (مثل بنك الجلد الإسرائيلي وبنوك القرنيات والأنسجة)، حيث أصبحت البيروقراطية الطبية تعمل بكفاءة تقنية مجردة من المشاعر: يتم استقبال الجثة، فرزها بناءً على الهوية والانتماء، انتزاع القرنيات أو الجلد أو صمامات القلب، ومن ثم رتق الجثة بشكل دقيق يوهم الأهل بعدم مساسها، أو احتجازها في مقابر الأرقام لإخفاء معالم الانتهاك التشريحي [4].
المحور الثالث: سلب الملكية والانتزاع القسري: الجسد كملكية عامة للدولة
يرتبط مفهوم المواطنة والحرية في الفلسفة السياسية الحديثة بحق الفرد الأصيل في ملكية جسده؛ فالجسد هو الحصن الأخير والأساسي للكرامة الإنسانية. وما تكشفه شهادة عالمة الأنثروبولوجيا هو الانتزاع المطلق لهذه الملكية الشخصية والعائلية من خلال إسقاط شرط “الموافقة المستنيرة”.
في الحالات الطبيعية والممارسات الطبية القويمة، يخضع نقل الأعضاء أو الاستفادة من جثث الموتى لبروتوكولات قانونية وأخلاقية صارمة تتطلب موافقة خطية مسبقة وموثقة من المتوفى قبل وفاته، أو إذناً صريحاً وواعياً من عائلته. أما في حالة الفلسطينيين والعمال الأجانب، فقد كانت المنظومة تتعامل مع الجسد باعتباره “ممتلكات متروكة” أو “غنائم حرب بيولوجية” تؤول ملكيتها وتصرفها تلقائياً إلى الدولة فور توقف النبض.
هذا التجريد من الملكية يمثل أقصى درجات السادية البيروقراطية؛ فاللاجئ أو العامل الذي جاء باحثاً عن لقمة عيشه، أو الفلسطيني الذي قضى في مواجهة أو في ظروف احتجاز غامضة، يُحرم حتى من حقه الطبيعي في أن يغادر هذا العالم بجسد كامل غير منقوص. إن أخذ الأعضاء دون علم العائلات لا يتسبب فقط في انتهاك الأجساد، بل يترك ندوباً نفسية واجتماعية عميقة لا تندمل لدى أسر الضحايا الذين يكتشفون لاحقاً أن أبناءهم دُفنوا بلا عيون أو بلا جلود [4].
المحور الرابع: كيف نواجه التجريد من الإنسانية؟
أمام هذا المشهد البنيوي القاتم والشهادات الأكاديمية المرعبة، لا يمكن للانسان الواعي أن يقف عند حدود الصدمة الوجدانية أو البكائية التاريخية. إن قراءة هذه الحقائق يجب أن تكون شرارة لنهضة فكرية، قانونية، وأخلاقية شاملة تستهدف تفكيك آليات الهيمنة المعرفية والطبية:
.١ التحرر المعرفي والطبّي الحرج: يجب على الجامعات والمراكز البحثية في العالم العربي والعالم الثالث إدراج مواد “أخلاقيات الطب الاستعماري” و”تاريخ السياسات الحيوية” لتدريب الأطباء والقانونيين والباحثين على كشف وفضح الاستغلال البيولوجي في النزاعات ومناطق الاحتلال.
.٢ الملاحقة القانونية والمأسسة الدولية: إن هذه الشهادات العلمية الموثقة، والمدعومة بالتحقيقات الصحفية الدولية [4] والاعترافات الرسمية الجزئية التي صدرت لاحقاً [2]، يجب أن تُصاغ في ملفات قضائية متكاملة تُرفع أمام محكمة الجنايات الدولية والمحاكم ذات الاختصاص العالمي، باعتبار أن سرقة الأعضاء والتمثيل الممنهج بجثث المحتجزين والمدنيين والعمال تندرج ضمن خانة الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب التي لا تسقط بالتقادم.
.٣ صياغة سردية الكرامة البيولوجية: إن الرد الحقيقي على محاولات الاستباحة والتجريد هو التمسك بسردية الكرامة الإنسانية المطلقة لكل البشر، بغض النظر عن هوياتهم أو عرقهم أو طبقتهم، ورفض المنطق الاستعماري والرأسمالي المتوحش الذي يحول الإنسان إلى سلعة قابلة للتفكيك والبيع.
صرخة وعي وانتفاضة أخلاقية حتمية
إن تصريحات د. مئيرة فايس وأبحاثها المنشورة ليست مجرد نافذة على الماضي، بل هي مرآة تحذيرية تكشف لنا كيف يمكن للضمير الإنساني والرقابة الأخلاقية أن يغيبا تماماً عن المؤسسات العلمية عندما تتماهى مع أيديولوجيا التفوق العنصري. إن الأجساد التي استُبيحت لا تزال تصرخ طالبةً العدالة، ولن يهدأ أنينها إلا عندما تُكشف الحقائق كاملة، وتُحاسب المنظومة البنيوية التي شرعنت هذه الفظائع.
إن الوعي الذي ننشده هو الوعي الذي يرفض أن تمر هذه الشهادات كأخبار عابرة أو مادة للأرشيف، بل يحولها إلى منطلق لانتفاضة أخلاقية وقانونية عالمية تعيد للمستضعفين حقهم الأصيل في الكرامة؛ حياً وفوق الأرض، وميتاً وتحت التراب. إن الذاكرة الحية لا تموت، وإن عدالة الأرض وإن تعثرت، فإن وعي الشعوب الحرة كفيل بانتزاعها ومحاكمة السياسات الاستعمارية في محكمة التاريخ والأخلاق الإنسانية.
.١ فايس، مئيرة. (2002). الجسد المختار: السياسة والتشريح في المجتمع الإسرائيلي (The Chosen Body: The Politics of the Body in Israeli Society). مطبعة جامعة كاليفورنيا. (تتحدث المؤلفة في هذا الكتاب، وفي المقابلات المرتبطة به، عن كواليس أبحاثها الأنثروبولوجية داخل معهد أبو كبير والتمييز الهيكلي في التعامل مع الجثث).
.٢ معهد أبو كبير للطب الشرعي وتحقيقات عام 2000: يشير الهامش إلى التحقيق والمواجهة الشهيرة التي قادها الدكتور أحمد الطيبي وبثتها القناة الثانية الإسرائيلية، حيث اضطر الدكتور يهودا هس (مدير المعهد السابق) للاعتراف بنزع قرنيات وجلود وصمامات قلب من جثث فلسطينيين وعمال أجانب ومهاجرين دون موافقة عائلاتهم خلال فترة التسعينيات.
.٣ بمبي، أشيل. (2003). سياسة الموت (Necropolitics). مجلة Public Culture، المجلد 15، العدد 1، ص 11-40. (الترجمة النظرية والفلسفية التي تفسر استخدام السيادة لإماتة الشعوب واستباحة أجسادهم حية وميتة).
.٤ بوستروم، دونالد. (2009). “أبناؤنا يُنهبون من أجل أعضائهم” (Our sons are plundered for their organs). صحيفة Aftonbladet السويدية. (التقرير الاستقصائي الدولي الذي أعاد فتح الملف وفجّر أزمة دبلوماسية وسياسية كبرى، مسلطاً الضوء على اختفاء شبان فلسطينيين وإعادتهم بجثث مخيطة من الصدر إلى البطن).
.٥ فوكو، ميشيل. (1976). إرادة المعرفة: تاريخ الجنسانية (The Will to Knowledge: History of Sexuality). باريس: غاليمار. (مفهوم “السياسة الحيوية” Biopolitics وتحكم أجهزة الدولة الحديثة في الأجساد البيولوجية).
