في لحظة سياسية بالغة الخطورة، يُطل علينا البيان الثلاثي المشترك (الأمريكي-الإسرائيلي-اللبناني) ليعلن عن تفاهمات صيغت في الغرف المظلمة تحت مسمى “وقف إطلاق النار”. لكن القراءة المتأنية والمتبصرة في سطور هذا البيان وفحواه، تكشف للقاصي والداني أننا لسنا أمام وثيقة أمنية عابرة، بل أمام محاولة انقلابية مكتملة الأركان على هوية لبنان، وعقيدته الوطنية، وتوازنات الردع التي دفع الشعب اللبناني دمًا قانيًا لتثبيتها.
​إن هذا الاتفاق الذي جرى الإعلان عنه، يعيد إلى الأذهان أسوأ كوابيس التاريخ اللبناني الحديث، ويؤكد بشكل قاطع مسألتين لا غبار عليهما:
أولًا: أن السلطة السياسية الحالية ماضية، بكل خفة وارتهان، في سعيها المحموم نحو إبرام “اتفاق 17 أيار” جديد بصيغة عصرية.
ثانيًا: أن هناك رغبة أمريكية-إسرائيلية خبيثة، تتساوق معها أطراف في السلطة، لتحويل الجيش اللبناني الباسل من مؤسسة وطنية حامية للأرض والعرض إلى “جيش لحد” آخر، تقتصر مهمته على حراسة حدود الاحتلال وقمع شعبه.
​شبح “17 أيار” يطل من جديد: صك الاستسلام لن يمر
​إن محاولة جر لبنان إلى مسار تطبيعي أمني وسياسي كامل، مستغلين جراح البلد والضغوط الاقتصادية والعسكرية، هي طعنة في ظهر الميثاق الوطني. إنهم يريدون تجريد لبنان من مكامن قوته، وإخضاعه لشروط العدو الإسرائيلي تحت مسمى “السيادة المستدامة”.
​لكن على واضعي هذا البيان في واشنطن وتل أبيب، ومن يصفق لهم في بيروت، أن يدركوا حق الإدراك: اتفاق 17 أيار آخر لن يمر. إن الشعب الذي أسقط مفاعيل ذلك الاتفاق المشؤوم في ثمانينيات القرن الماضي وهو في أوج ضعفه، لن يسمح اليوم بمرور “نسخة معدلة” منه تحت أي ذريعة أو غطاء دولي. السيادة اللبنانية الحقيقية لا تولد من رحم الإملاءات الأمريكية، ولا تُصنع في أروقة “البنتاغون”.
​مؤامرة تدجين المؤسسة العسكرية: الجيش اللبناني لن يكون حارسًا للاحتلال
​المسألة الأكثر خطورة وتفجيرًا في هذا البيان هي البند المتعلق بالجيش اللبناني. يتحدث البيان بنبرة “الوصاية” عن “تمكين القوات المسلحة اللبنانية لممارسة سيادة فعالة”، وعن إنشاء “مناطق تجريبية” تكون فيها القوات المسلحة أداة لتفكيك قوى المقاومة ومنع عودتها.
​إن هذا الطرح يمثل إهانة مباشرة للجيش اللبناني، وضباطه، وجنوده الذين رُوّيت دماء زملائهم تراب الجنوب في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية. إنهم يحاولون، عبر وعود التمويل والتسليح المشروط، تحويل عقيدة الجيش القتالية من “مواجهة العدو الصهيوني” إلى “حماية أمن إسرائيل” ومواجهة البيئة الوطنية اللبنانية.
​إن الهدف المضمر هو تحويل الجيش اللبناني إلى نسخة جديدة من “جيش أنطوان لحد” (ميليشيا عميلة للاحتلال)، يأتمر بأمر اللجان المشتركة ويسهر على راحة المستوطنين في شمال فلسطين المحتلة. ومن هنا نرفع الصوت عاليًا:
​الجيش اللبناني عقيدته براء من هذه المؤامرة: الجيش كان وسيبقى مؤسسة وطنية جامعة، عقيدتها قائمة على المقاومة والدفاع عن حدود الوطن ضد الأطماع الصهيونية.
​رفض التوظيف السياسي والأمني: لن ينجح أحد في تحويل جنودنا الأبطال إلى حرس حدود للعدو، أو أدوات لتنفيذ أجندة “روبيو” أو غيره من غلاة الصهاينة في الإدارة الأمريكية.
​دماء الشهداء خط أحمر: إن دماء شهداء الجيش والشعب والمقاومة التي عُمدت بها الأرض لن تباع في سوق النخاسة السياسي.
​خاتمة ونهوض: خيارات لبنان يكتبها أبناؤه
​إن هذا البيان المشترك ليس قدرًا محتومًا، بل هو ورقة ساقطة قبل أن يجف حبرها. إن تكرار تصريحات قادة الاحتلال بأن أمنهم لا يتحقق إلا بتفكيك بنية لبنان التحتية ونزع سلاحه، يثبت أن النوايا العدوانية لم تتغير، وأن “السلام” المعروض هو سلام المقابر والاستسلام.
​على السلطة اللبنانية أن تعي جيدًا حجم المنزلق الذي تقود البلاد إليه. إن الرهان على الوعود الأمريكية هو رهان على سراب، والتاريخ علمنا أن من يفرط بأوراق قوته الوطنية يُترَك لمصيره أسيرًا ذليلًا.
​ليسمعها العالم أجمع:
لبنان ليس للبيع، وجنوبه ليس حقل تجارب، وجيشه الوطني لن يكون وكيلاً أمنيًا لأحد. اتفاق 17 أيار آخر لن يمر.. والجيش اللبناني لن يتحول إلى جيش لحد! سيبقى لبنان سيدًا، حرًا، عصيًا على الإخضاع، وقادرًا بعزيمة شرفائه على إسقاط كل صفقات الهوان.
د. نبيلة عفيف غصن