في مديح الذين قالوا: لا
مروان عبد العال
ليسوا من طينةٍ تبحث عن المواجهة، ولا من أولئك الذين يهوون الصدام، بل هم بشرٌ حين وُضعوا أمام لحظةٍ صامتةٍ فاصلة، اختاروا أن يبقوا كما هم… بلا نقصان.
من جنوب القلب، من بنت جبيل، حيث تكتب الأرض ما تعجز عنه الذاكرة، إلى الخيام حيث الحنين يسير في الطرقات بلا وجهة، ومن النبطية حيث يتكئ الصوت على تعب الأرض، إلى قلعة الشقيف التي تشبه صمتاً واقفاً في وجه الريح… هناك أيضاً كانت «لا» تُقال، بهدوءٍ يشبه اليقين، لا كضجيج معركة، بل كدفء معنى لا يُرى.
وجنوب الروح، من غزة التمرد وجباليا العناد، حيث الأزقة تحفظ أسماء من مرّوا كأنها لا تريد أن تنساهم، من الشجاعية حيث الصمت أثقل من الكلام، من خان يونس حيث الغبار ليس غبار حرب فقط بل غبار انتظارٍ طويل، ومن رفح حيث تبدو الحدود كأنها فكرة معلّقة في الهواء… ومن جنين إلى نابلس إلى الخليل، حيث الجرح واحد وإن تعددت ملامحه، خرجت «لا» كأنها نبض القلب حين يرفض أن يتوقف.
لم تكن «لا» في هذه الأمكنة كلمة، بل حالة من الوقوف الداخلي؛ لحظة يتعرّى فيها الإنسان من كل ما هو زائد، ويظل كما هو في مواجهة محاولات العالم لإعادة تشكيله على مقاسٍ لا يشبهه. هناك، لا يبقى سوى جوهره الأول، بلا زينةٍ تُجمّل الحقيقة، ولا وسطاء يخففون حدّتها، ولا أقنعة تُساوم على ما يشعر به حين يصغي إلى داخله الأخير، وكأنها «لا» تصون الوعي العربي من التبدّد، وتحفظ له قدرته على البقاء حيّاً في وجه ما يهدده من محوٍ وتشظٍ.
ومن “لا ” في جنوب فلسطين إلى “لا” جنوب لبنان، ومن المخيم إلى الخيام، ومن الأزقة التي تضيق بالذاكرة إلى القلاع التي تتسع للزمن، يتكرر المشهد ذاته: إنسانٌ يقف أمام ما يفوقه، لكنه لا يتنازل عمّا يشعر أنه الحقيقة الوحيدة التي يملكها.
في تلك اللحظة، لا يعود الفدائي اسماً ولا صورةً ولا خبراً… بل يصبح رمزاً وطنياً وحضوراً إنسانياً صافياً، كأن الحياة اختصرته في معنى واحد: أن تحفظ كرامتك مهما ارتجف العالم.
ولهذا لا تُروى غزة ولبنان هنا كخرائط، وخطوط صفراء خضراء وبرتقالية ، بل كنبضٍ ممتدّ بين قلبين يرفضان أن ينسيا أنفسهما. كمساحةٍ يختبر فيها الإنسان آخر ما تبقى له من صدق، حين لا يبقى سوى أن يقول: لا.
لا للانكسار حين يبدو سهلاً كالتنفس.
ولا للمساومة حين تتخفّى في ثوب السلام.
هناك، لا تُقاس الحكاية بما يحدث، بل بما يبقى في الداخل بعد أن يهدأ كل شيء. بما لا يراه أحد، لكنه يغيّر الإنسان من عمقه.
وهكذا يمشي الزمن على غير طريقه؛ لا يُحسب بالسنوات، بل بما تتركه لحظة صدقٍ واحدة في روحٍ كاملة، فتجعلها أكبر من عمرها، وأعمق من تاريخها.
نحن أبناء هذا الامتداد… أبناء أولئك الذين لم يتركوا الخوف يكتب نهايتهم، ولم يسمحوا للألم أن يتحول إلى هزيمة، بل حوّلوا «لا» إلى شكلٍ من أشكال الحياة، وإلى طريقةٍ للبقاء واقفين رغم كل ما يميل بهم.
وفي الختام، هذه الـ«لا» التي تعني “لن يمرّوا”، هي ذلك الهمس الذي يشبه الضوء حين يولد في العتمة… ولا يحتاج إلى شيء سوى مقاومةٍ قرّرت ألا تنطفئ.
