بين الواجب الإنساني ونداء الضمير: لبنان في مواجهة العدوان

محمد الحمد ٣٠ آيار ٢٠٢٦

في ظل ما تشهده منطقتنا من أحداث دامية ومآسٍ إنسانية متواصلة، يقف كثيرون أمام مشاهد الألم والدمار متسائلين: أين العرب؟ أين المسلمون؟ وأين الإنسانية مما يجري في لبنان وغزة؟ وهل يكفي أن نراقب المشهد من بعيد، أم أن الواجب الأخلاقي والإنساني والديني يفرض علينا موقفا ومسؤولية تجاه ما يحدث؟

إن القضايا المصيرية التي تمس الشعوب والأوطان لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد أخبار عابرة نعتاد سماعها ومشاهدتها، بل يجب أن تبقى حاضرة في الوجدان والضمير، وأن تدفع كل صاحب موقف إلى القيام بما يستطيع من دعم وإسناد ونصرة، كلٌ بحسب قدرته وإمكاناته.

أين العرب؟
أين المسلمون؟
وأين الإنسانية مما يجري في لبنان؟

أليس من المفترض أن نبرئ ذممنا أمام الله بصرخة حق وموقف دعم إنساني؟ أليس من المفترض أن ينتفض كل الأحرار في العالم ضد ضد الإجرام الامريكي والصهيوني في منطقتنا، وتحديدا ما يجري اليوم في لبنان؟

إننا جميعا معنيون بالإسناد والنصرة، كلٌ من موقعه وبما يستطيع أن يقدم، حتى يستجيب الله لدعواتنا بنصر مؤزر للمجاهدين المرابطين على الثغور، أولئك المقاومين الذين لم يلتفتوا إلى متاع الدنيا وزخرفها، وإنما جعلوا همهم شرف الأمة وكرامتها، ورفض الذل والهوان والاحتلال.

كيف ننتظر نصر الله ونحن جميعا نتابع ما يجري، ثم نعتاد عليه شيئا فشيئا دون تحرك حقيقي، ودون تكاتف وتعاضد وتضامن؟ كيف نرجو الفرج ونحن نتعامل مع هذه الأحداث وكأنها قدر بعيد لا يمسنا؟

إن كل واحد منا لديه ما يمكن أن يفعله، فالنصرة بالكلمة واجب، وتكثيف الحضور الإعلامي وإبقاء القضية حيّة في الوعي العام مسؤولية لا تقل أهمية عن غيرها.
كما أن الوقفات والدعم والإسناد والتبرعات، ومساعدة المتضررين وأسرهم، تمثل جانبا مهما من الواجب الأخلاقي والإنساني.

ونحن على أعتاب عاشوراء، حيث يتوجه الملايين إلى أبي الأحرار الإمام الحسين عليه السلام، ويرددون شعارات العزة والكرامة، وعلى رأسها: (هيهات منا الذلة)، و(مثلي لا يبايع مثله)، فإن هذه الشعارات ينبغي أن تكون سلوكا عمليا وموقفا حيا، لا مجرد كلمات تُردد بالألسن ثم تُنسى عند الامتحان الحقيقي.

إن الكيان الصهيوني لن يقف عند حد معين، ولا ينبغي لأحد أن يظن أنه بعيد عن الأهداف الصهيوأمريكية التي تسعى إلى الهيمنة على المنطقة بأسرها وابتلاع مقدراتها وإخضاع شعوبها.

وإلى أهلي في العراق، يا أهل الشرف والغيرة والنخوة والحمية أقول: لا تلتفتوا لهذا السياسي أو ذاك، مهما كان اسمه أو موقعه، فالكثير من هؤلاء قدموا مصالحهم الخاصة على حساب الثوابت والمبادئ، فلا يغرنكم هذا الاسم أو ذاك ممن يرددون مصطلحات مثل “النأي بالنفس” أو “الوقوف على التل”.

إن هذه المصطلحات ليست سوى تخدير مؤقت للواقع، لأن العدو منذ انطلاق طوفان الأقصى يهدف أولا إلى التحييد، ثم إلى الاستفراد بكل طرف على حدة.
ولذلك فإن ما يقدمه أصحاب المصالح الخاصة من تنازلات لن يؤدي، إلا إلى مزيد من الذل والهوان، ولن يدفع العدو إلى التوقف عند حد معين، بل سيواصل التمدد كلما سنحت له الفرصة.

كما يعمل العدو عبر حملاته الناعمة وأساليبه المختلفة على شق الصفوف وإثارة الفتن والخلافات، حتى إذا أراد قلب الطاولة على الجميع وجد الطريق أمامه ممهدا وسالكا.

لذلك فإن من يفكر مليا بمفهوم الأمن القومي يدرك أن مواجهة العدو وردعه ومنعه من التمادي ضرورة تفرضها طبيعة الصراع، حتى يتراجع أو يُوقف عند حدوده.

يا أهل الكرم والجود…

إن ساحة كربلاء الحقيقية اليوم تتجسد بما يسطره المقاومون في جنوب لبنان من مواقف وصمود وتضحيات، وإن أقل ما يمكن أن نقدمه لهم هو الإسناد والدعم، والتخفيف عن أهلهم الذين هم أهلنا، بالكلمة الصادقة، والموقف المسؤول، والدعم المادي والمعنوي، كلٌ حسب استطاعته ومقدرته.

فلا أحد معفى من المسؤولية، ولا أحد عاجز عن تقديم شيء مهما كان بسيطا، فالكلمة موقف، والدعاء موقف، والدعم موقف، والتوعية موقف، وكل جهد صادق يمكن أن يسهم في تثبيت الحق ومساندة المظلومين.

قال تعالى: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾.

ختاما
إن الأزمات الكبرى لا تقاس فقط بحجم الدمار الذي تخلفه، بل أيضا بحجم المواقف التي تكشفها، وفي أوقات المحن تُختبر القيم، وتُعرف معادن الرجال، وتتحدد مواقع الشعوب بين الفعل والصمت.

إن نصرة المظلوم، والوقوف إلى جانب المتضررين، ورفض العدوان، والدفاع عن الكرامة الإنسانية، مسؤوليات لا ينبغي أن تسقط بالتقادم أو الاعتياد، فالقضايا العادلة تحتاج إلى أصوات حية، وضمائر يقظة، ومواقف ثابتة لا تتبدل بتبدل الظروف.

ويبقى الأمل معقودا على وعي الشعوب وتكاتفها، وعلى قدرتها في تحويل القيم التي تؤمن بها إلى أفعال ومواقف عملية، لأن الأمم لا تصان بالشعارات وحدها، بل بالإرادة والعمل والثبات على المبادئ.

قال تعالى
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ.

محمد الحمد/العراق