يكتسب قرار بلدية “بني براك” بفرض الفصل الجندري على الأرصفة في بعض أكثر شوارعها حيوية، استجابةً لتعليمات المرجعيات الحاخامية وتحدياً لقرار المحكمة العليا الإسرائيلية، دلالةً تتجاوز البُعد البلدي أو المحلي الإسرائيلي. إنها ممارسة تضعنا أمام مواجهة مباشرة مع حقيقتين متصادمتين: الأولى هي البنية الثيوقراطية الآخذة في التمدد داخل المجتمع الإسرائيلي، والثانية هي الوهَم الأيديولوجي الذي بنته بعض نخب اليمين المسيحي في لبنان حول طبيعة الكيان الصهيوني كحليف “حضاري وليبرالي” مفترض.
​أولاً: عقيدة الحاخامات وإعادة صياغة الفضاء العام
​لفهم ما يحدث في “بني براك”، لا بد من تفكيك العقيدة الأرثوذكسية المتطرفة (الحريديم) ورؤيتها للمجتمع والدولة:
​شمولية الشريعة (الهالاخاه): ترى هذه العقيدة أن الشريعة اليهودية ليست شأناً شخصياً أو تعبدياً داخل جدران الكنيس، بل هي قانون إلهي حاكم يجب أن يهيمن على الفضاء العام. الفصل بين الجنسين على الأرصفة، في الحافلات، وفي خطوط الطابور، ليس مجرد “سلوك محافظ”، بل هو تطبيق حرفي لمفهوم “التحوط لعدم الوقوع في الإثم” (مبدأ حماية الطهارة).
​الدولة كأداة لا كغاية: بالنسبة للتيار الحريدي، فإن مؤسسات الدولة الحديثة—بما فيها المحكمة العليا والقوانين المدنية—هي أدوات علمانية تفتقر إلى الشرعية الروحية. لذا، فإن تحدي قرار المحكمة العليا لعام 2017 الذي حظر الفصل الجندري يُعتبر في وعيهم “جهاداً دينياً” لحماية هوية المجتمع ضد “العلمنة الغربية الهدامة”.
​التمدد الديموغرافي والسياسي: لم يعد هذا الفكر محصوراً في غيتوهات مغلقة؛ فالنمو الديموغرافي الهائل للمجتمع الحريدي، وتحولهم إلى “صانعي ملوك” في الائتلافات الحكومية اليمينية، جعل من فتاوى الحاخامات قوة تشريعية واجتماعية قادرة على قضم الطابع العَلماني لـ “تل أبيب” وضواحيها تدريجياً.
​ثانياً: تفكيك أوهام “التحالف الحضاري” لليمين اللبناني
​على الجانب الآخر من الحدود، تاريخياً وبنيوياً، أنتج اليمين المسيحي المحافظ في لبنان (خاصة في أطروحاته الراديكالية إبان الحرب الأهلية وفي بعض جيوبه الفكرية الحالية) سردية متخيلة حول إسرائيل كحليف مفترض. وتصطدم هذه السردية بوضوح مع الواقع السوسيولوجي للكيان على عدة مستويات:
​وهم التماثل الثقافي الغربي مقابل واقع الانزياح نحو الشرق والتدين الأصولي: يفترض اليمين اللبناني أن المجتمع الإسرائيلي هو امتداد طبيعي للقيم الغربية العلمانية، حيث الحريات الفردية، ونمط الحياة المنفتح القائم على التحرر والبهجة وشرب البيرة وارتداء البيكيني على الشواطئ. لكن الواقع يثبت أن الكيان يبتعد باطراد عن جذوره العلمانية الأوروبية (الإشكنازية)، وينزاح نحو الأصولية الدينية (الحريديم) واليمين القومي المتطرف، حيث الفكر الثيوقراطي هو المحرك الفعلي للسياسة والديموغرافيا الشابة.
​وهم إسرائيل كحامٍ للأقليات مقابل واقع “الدولة اليهودية” الإقصائية: يروج اليمين اللبناني المتصهين لفكرة أن الكيان حليف طبيعي للأقليات غير المسلمة في الشرق الأوسط لضمان بقائها ونمط حياتها الحر. في المقابل، فإن العقيدة الصهيونية الحاكمة اليوم—خاصة بعد إقرار قانون القومية—لا ترى في “الآخر” غير اليهودي (مسيحياً كان أم مسلماً) شريكاً حضارياً، بل تراه تهديداً ديموغرافياً أو رعية من الدرجة الثانية، وهو ما يلمسه مسيحيو الداخل والقدس يومياً من تضييقات واعتداءات يقودها المتطرفون.
​وهم السلام كبوابة للانفتاح مقابل واقع الهيمنة الأمنية والانغلاق الداخلي: يبني الرهان اليميني اللبناني آماله على أن السلام سيخلق مساحة حضارية واقتصادية واجتماعية مشتركة تقوم على الليبرالية العابرة للحدود. لكن على أرض الواقع، ينظر الكيان للسلام كأداة أمنية بحتة للهيمنة الاستراتيجية وتأمين حدوده، في حين يزداد الداخل الإسرائيلي انغلاقاً وتحصناً وراء جدران الفصل الجغرافي والديني، وتتحول مدنه إلى معاقل لتطبيق فتاوى الفصل العنصري والجندري.
​ثالثاً: فصام الوعي والاصطدام بالواقع
​تكمن المفارقة الكبرى في أن اليمين المسيحي اللبناني، الذي يفاخر تاريخياً بكونه حارساً لـ “الحريات الفردية”، والتعددية، ونمط الحياة اللبناني المنفتح والمتميز بـ “ثقافة الفرح والحرية الشخصية”، يقع في فصام معرفي حاد عند قراءة حليفه المفترض.
​معادلة الفصام:
كيف يمكن لتيار يرى في “البيكيني، شرب البيرة، الحريات الشخصية، والتحرر الثقافي والاجتماعي” جوهر هويته اللبنانية المتميزة عن محيطها، أن يروج للتحالف والسلام مع كيان سياسي واجتماعي يتجه بسرعة الصاروخ نحو فرض “الفصل الجندري على الأرصفة”، ويخضع لابتزاز ديني يرى في المرأة عورة يجب عزلها خلف حواجز خشبية؟
​إن اليمين اللبناني المتصهين يسقط ضحية إسقاط رغائبي؛ فهو لا يرى إسرائيل الحقيقية—إسرائيل بني براك، والقدس الأرثوذكسية، وحاخامات الصهيونية الدينية المتطرفة—بل يرى “إسرائيل المتخيلة” التي تشبه شواطئ تل أبيب العلمانية الآخذة في الانحسار. إنه يتجاهل أن المجتمع الذي يسعى للتحالف معه لـ “حماية الحريات” يعيش صراعاً داخلياً مريراً تقوده قوى دينية متزمتة لا تختلف في جوهرها الإقصائي عن أي فكر أصولي آخر في المنطقة.
​خاتمة: سقوط السرديات الرومانسية
​إن رصيف “بني براك” المقسم جندرياً ليس مجرد شأن بلدي عابر، بل هو مرآة تكشف عقم الرهانات السياسية القائمة على الجهل الثقافي والاجتماعي بطبيعة الآخر.
​إن محاولة اليمين المسيحي اللبناني الترويج لخيار السلام والتحالف الحضاري مع الكيان الصهيوني، تحت لافتة العصرنة والحرية، تسقط أمام حقيقة أن المركز العصبي للقرار الديموغرافي والسياسي في إسرائيل بات بيد حاخامات لا يرون في نمط الحياة اللبناني المنفتح إلا “رجساً” يستحق الرجم، ولا في السلام إلا أداة لفرض الهيمنة الثيوقراطية. ونهاية هذا الوهم ليست إلا اصطداماً بجدار الحقيقة الصلب الذي يفصل بين خيالات النخبة وحقائق الأرصفة المعزولة.
د. نبيلة عفيف غصن