عودة زمن الجنرالات.. كيف أصبح أيزنكوت أبرز منافسي نتنياهو؟
بقلم: أحمد الطناني/ مدير مركز عروبة للإبحاث
يمثّل مسار غادي أيزنكوت، في انتقاله من عضو في مجلس الحرب الإسرائيلي إلى متصدّر لصفوف المعارضة، حالة كاشفة لتحولات المشهد السياسي الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر. ففي ديسمبر/كانون الأول 2023، بينما كان عضوًا في المجلس الذي أدار حرب الإبادة على قطاع غزة، قُتل ابنه غال في القطاع، ولحق به ابن شقيقه في المعركة ذاتها بعد أشهر. وحين غادر المجلس في يونيو/حزيران 2024، برّر خطوته بفقدان الحكومة أهليتها في نظره لإدارة ملف الحرب والأسرى. ومن هذا الموقع المزدوج، الذي جمع بين القيادة العسكرية والكلفة الشخصية، انتقل إلى موقع المعارض الأبرز لبنيامين نتنياهو الذي خاض الحرب إلى جانبه.
تزامن هذا التحول مع محاولة متجددة للعودة إلى ما يمكن تسميته “زمن الجنرالات” في السياسة الإسرائيلية. فقد دخل أيزنكوت الكنيست عام 2022 ضمن قائمة بيني غانتس، ثم انفصل عنه وأسس حزب “يشار” في سبتمبر/أيلول 2025، قبل أن يتصدر استطلاعات الرأي خلال صيف 2026 بوصفه المرشح الأكثر قبولًا لقيادة الحكومة. ويستند هذا الصعود إلى مجموعة عوامل متداخلة، في مقدمتها تآكل صورة بنيامين نتنياهو الأمنية، والإنهاك الذي خلّفته الحرب، وبقاء أيزنكوت خارج دائرة المسؤولية المباشرة عن إخفاق السابع من أكتوبر، إلى جانب رصيده العسكري بوصفه رئيس الأركان الذي قاد واحدة من أبرز عمليات تحديث الجيش الإسرائيلي خلال العقد الأخير.
وتتجاوز أهمية أيزنكوت حدود مستقبله السياسي، إذ تمثل سيرته نافذة لفهم تحولات أعمق داخل المؤسسة الإسرائيلية، فهو يجمع بين موقع المنظّر العسكري الذي صاغ بعضًا من أكثر العقائد القتالية تأثيرًا، والسياسي الذي يقدّم نفسه بديلًا لنتنياهو، مع احتفاظه بجوهر المقاربة الأمنية ذاتها تجاه الفلسطينيين.
من هامش إيلات إلى رئاسة الأركان
وُلد غادي أيزنكوت في طبريا في التاسع عشر من مايو/أيار 1960، ثاني أربعة أبناء لأسرة يهودية من أصول مغربية هاجرت إلى فلسطين المحتلة خلال موجة الهجرة الكبرى في خمسينيات القرن الماضي؛ فأبوه من مراكش وأمه من الدار البيضاء، ويُرجَّح أن الاسم الأصلي للعائلة كان “أزنكوت” قبل أن يُحرَّف عند التسجيل. نشأ في مدينة أم الرشراش المحتلة (إيلات) الساحلية، حيث عمل والده في مناجم النحاس، ودرس في ثانوية غولدووتر متخصّصًا في الدراسات البحرية.
وتجمع هذه الخلفية بين الانتماء إلى اليهود المزراحيم والنشأة في أطراف “الدولة”، قبل الصعود عبر المؤسسة العسكرية لا عبر الأحزاب التقليدية أو النخب الاقتصادية. وقد منحه ذلك، في الوعي الإسرائيلي، صورة الضابط القادم من “الأطراف”، بما يوسّع قدرته على مخاطبة شرائح اجتماعية لا ترى نفسها ممثَّلة بالنخب السياسية التقليدية.
التحق أيزنكوت بالجيش الإسرائيلي عام 1978، وانتقل بعد فترة وجيزة من دورة الطيران إلى لواء “غولاني“، الذي ارتبط باسمه طوال مسيرته العسكرية. تدرّج في المواقع القيادية حتى تولّى قيادة اللواء بين عامي 1997 و1998، بعد أن خدم فيه قائد سرية خلال حرب لبنان الأولى. وفي عام 1999 عُيّن سكرتيرًا عسكريًا لرئيس الوزراء إيهود باراك، قبل أن يقود الفرقة 366 و”فرقة يهودا والسامرة” في الضفة الغربية خلال السنوات الأخيرة من الانتفاضة الثانية، وهي تجربة تركت أثرًا واضحًا في مقاربته الأمنية تجاه الفلسطينيين.
تواصل صعوده داخل هيئة الأركان بوتيرة متسارعة؛ فتولّى رئاسة شعبة العمليات عام 2005، ثم قيادة المنطقة الشمالية عقب حرب لبنان الثانية في أكتوبر/تشرين الأول 2006، قبل تعيينه نائبًا لرئيس الأركان مطلع عام 2013. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2014 اختاره رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع موشيه يعالون رئيسًا للأركان، ليتسلّم المنصب في فبراير/شباط 2015 بوصفه الرئيس الحادي والعشرين لأركان الجيش الإسرائيلي، وأول من يصل إلى هذا الموقع من خلفية مزراحية، قبل أن ينهي ولايته مطلع عام 2019 بعد أكثر من أربعة عقود في الخدمة العسكرية.
وإلى جانب مسيرته العسكرية، يحمل أيزنكوت درجة البكالوريوس في التاريخ من جامعة تل أبيب، ودراسات عليا في العلوم السياسية من جامعة حيفا، كما تلقّى تعليمًا عسكريًا في كلية الحرب التابعة للجيش الأمريكي.
إعادة بناء الجيش
ارتبط اسم غادي أيزنكوت داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بمشروع متكامل لإعادة بناء الجيش، جمع بين تطوير العقيدة العسكرية، وإعادة هيكلة القوة، وصياغة أنماط جديدة لاستخدامها. وقد سعى، منذ توليه رئاسة الأركان، إلى تقديم نفسه قائدًا يمتلك رؤية استراتيجية تتجاوز إدارة العمليات اليومية.
في أغسطس/آب 2015، أصدر أول وثيقة استراتيجية رسمية مكتوبة للجيش الإسرائيلي تحت عنوان “استراتيجية الجيش“، بعد عقود ظلّت خلالها العقيدة القتالية تُدار دون إطار معلن، وجاءت الوثيقة لتكون مرجعًا لبناء القوة واستخدامها، وأداة لتنظيم العلاقة بين المؤسسة العسكرية والمستوى السياسي في ظل غياب استراتيجية حكومية مكتوبة، الأمر الذي دفع مؤسسات بحثية دولية، من بينها مركز بلفر في جامعة هارفارد، إلى ترجمتها ودراستها.
وبالتوازي، قاد إعداد الخطة متعددة السنوات “جدعون“، التي أقرّها المجلس الوزاري المصغّر عام 2016، وركّزت على تعزيز القوات البرية، وتطوير قدرات المناورة، وتقليص البنى العسكرية الزائدة، وإنشاء قيادة سيبرانية، مع هدف مركزي يتمثل في حسم أي مواجهة خلال أقصر وقت ممكن. وتُعد “جدعون” من أكثر خطط بناء القوة استكمالًا خلال العقدين الأخيرين، بعدما نُفّذ معظم مكوناتها، خلافًا لعدد من الخطط السابقة التي توقفت قبل اكتمالها.
كما ارتبط اسمه بتطوير مفهوم “المعركة بين الحروب“، الذي بلوره مع الباحث غابي سيبوني، والقائم على تنفيذ عمليات عسكرية واستخبارية متواصلة ومنخفضة الوتيرة لإضعاف قدرات الخصوم قبل تحولها إلى تهديد مباشر، وهو المفهوم الذي حكم جانبًا واسعًا من النشاط العسكري الإسرائيلي ضد ما تسميه إسرائيل “محور إيران” في سوريا، وانسجم مع أولويته الاستراتيجية التي وضعت حزب الله في مقدمة التهديدات.
وفي السنوات اللاحقة، كشف أيزنكوت عن عدد من المشاريع التي بقيت حبيسة الأدراج بفعل قرارات سياسية. فتحدث عن خطة حملت الاسم الرمزي “الضربة الخاطفة”، استهدفت تنفيذ ضربة مركزة ضد قيادة حركة حماس داخل شبكة الأنفاق، ورأى أنها كانت قادرة على إحداث تحول حاسم قبل السابع من أكتوبر واتهم سوء سياسات نتنياهو بإفشال تطبيقها بنجاح عام 2021. كما كشف عن برنامج مشترك مع الموساد أُطلق عام 2015، وعدّه أوسع بكثير من عملية “البيجر” التي استهدفت حزب الله لاحقًا، معتبرًا أن إيقافه عكس نمطًا متكررًا لدى بنيامين نتنياهو يقوم على إدارة الأزمات بدل صناعتها.
غير أن المشروع العسكري الذي التصق باسم أيزنكوت أكثر من أي إنجاز آخر، تمثّل في ما عُرف لاحقًا بـ”عقيدة الضاحية“، التي بلورها عقب حرب لبنان الثانية عام 2006 أثناء قيادته المنطقة الشمالية، واستندت إلى الدمار الواسع الذي لحق بالضاحية الجنوبية لبيروت بوصفه نموذجًا لتحقيق الردع.
وقد عرض أيزنكوت هذه العقيدة بصورة صريحة في مقابلة مع صحيفة “يديعوت أحرونوت” عام 2008، حين قال: “ما جرى في حي الضاحية ببيروت عام 2006 سيحدث في كل قرية يُطلق منها النار باتجاه إسرائيل. سنستخدم قوة غير متناسبة ونُلحق بها ضررًا ودمارًا هائلين. من وجهة نظرنا، هذه ليست قرى مدنية، بل قواعد عسكرية”، مضيفًا أن ذلك “ليس توصية، بل خطة جرى إقرارها”.
انطلقت العقيدة من اعتبار البيئة المدنية جزءًا من منظومة القوة التي تستند إليها التنظيمات المسلحة، بما يجعل استهدافها وسيلة لفرض الردع من خلال رفع الكلفة على المجتمع الحاضن. ومن هذا المنطلق، مثّلت انتقالًا من سياسة الضربات الدورية المحدودة إلى اعتماد التدمير واسع النطاق باعتباره أداة عسكرية لتحقيق الأهداف السياسية والأمنية.
وقد تعرّض هذا التصور لانتقادات واسعة من منظور القانون الدولي الإنساني، فأشار تقرير غولدستون الصادر عام 2009 إلى العقيدة باعتبارها تقوم على إحداث تدمير واسع وإلحاق معاناة بالمدنيين لأغراض الردع، وخلص إلى أنها طُبقت خلال العدوان على قطاع غزة أواخر عامي 2008 و2009. كما رأى المقرر الأممي السابق ريتشارد فولك أن أيزنكوت لم يقدّم ما ينسجم مع مبدأ التناسب في القانون الإنساني الدولي.
وتبرز أهمية هذه العقيدة في استمرارها داخل التفكير العسكري الإسرائيلي، فبعد السابع من أكتوبر، عادت لتشكّل أحد الأطر الناظمة للعمليات العسكرية في قطاع غزة ولبنان عبر نهج التدمير الشامل لكل البنية الحضرية في المناطق المستهدفة بغرض الانتقام من المجتمع ككل.
الأمن بوصفه برنامجًا
لا تمثل مواقف غادي أيزنكوت السياسية قطيعة مع مسيرته العسكرية، وإنما امتدادًا لها في المجال السياسي، فتصوره للقضايا الإقليمية والداخلية ينطلق من أولوية الأمن، ويعكس مقاربة مؤسساتية ترى في بناء القوة وإدارة الصراع المدخل الرئيس لتحقيق الاستقرار.
في القضية الفلسطينية، يرفض أيزنكوت قيام دولة فلسطينية في المرحلة الراهنة، معتبرًا أن أحداث السابع من أكتوبر غيّرت البيئة التي طُرح فيها هذا الخيار. ففي مايو/أيار 2025، قال للقناة 12 إن “الدولة الفلسطينية غير ذات صلة بعد السابع من أكتوبر”، مضيفًا في تصريح لاحق أن الحديث عن “السلام الآن وعن دولتين لشعبين” يعكس، في رأيه، سوء فهم لطبيعة الصراع، داعيًا إلى البحث عن “حلول أخرى في الساحة الفلسطينية”. وتعكس هذه المواقف رؤية أمنية تتعامل مع الأراضي الفلسطينية باعتبارها فضاءً استراتيجيًا لإدارة التهديدات أكثر من كونها قضية تقرير مصير.
وتتجلى المقاربة ذاتها في موقفه من إيران، الذي يشكل أحد أبرز نقاط اختلافه مع بنيامين نتنياهو. فبينما يصف إيران بأنها تهديد استراتيجي، يرفض اعتبارها خطرًا وجوديًا ما لم تمتلك سلاحًا نوويًا، وكان من الأصوات الأمنية التي رأت في الاتفاق النووي لعام 2015 فرصة لتأجيل المواجهة وإتاحة المجال أمام الجيش للتفرغ لتهديدات أخرى. وبلغ هذا الخلاف ذروته في يونيو/حزيران 2026، عندما اتهم نتنياهو بتضخيم التهديد النووي الإيراني لخدمة اعتبارات سياسية وانتخابية، مؤكدًا أنه، بحكم اطلاعه على التقديرات الاستخبارية، لا يشارك هذا التوصيف.
وفي الإطار ذاته، أبدى انفتاحًا على التعاون الأمني مع عدد من الدول العربية في مواجهة إيران، وهو ما عبّر عنه منذ توليه رئاسة الأركان، بما يجعل مقاربته للتطبيع امتدادًا لأولوياته الأمنية، لا مسارًا مرتبطًا بتسوية القضية الفلسطينية.
أما داخليًا، فقد جعل من قضية تجنيد الحريديم أحد أبرز عناوين مشروعه السياسي، تحت شعار “الخدمة للجميع”، مقترحًا حصر الإعفاءات الدينية بنسبة محدودة من كل فوج سنوي، وإنهاء منظومة الإعفاء شبه الشامل. كما يضع في صلب برنامجه تشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاق السابع من أكتوبر، إلى جانب إقرار استراتيجية أمن قومي مكتوبة وملزمة للحكومات، باعتبار أن غياب التخطيط الاستراتيجي كان أحد أسباب الإخفاق.
وتُعد الحرب على قطاع غزة الاختبار الأبرز لهذه الرؤية، فقد انضم أيزنكوت إلى حكومة الطوارئ بعد أيام من السابع من أكتوبر، وشغل مقعدًا في مجلس الحرب، حيث أيد الاجتياح البري، وساهم، إلى جانب بيني غانتس، في منع فتح جبهة واسعة مع حزب الله في الأيام الأولى للحرب، انطلاقًا من تقدير مفاده أن الجيش غير مهيأ لخوض حرب على جبهتين في آن واحد.
وخلال وجوده في مجلس الحرب، تكبّد خسارة شخصية قاسية بمقتل ابنه غال في ديسمبر/كانون الأول 2023 داخل قطاع غزة، ثم مقتل اثنين من أبناء شقيقه في الحرب نفسها. وبرغم ذلك، أكد في تأبين ابنه مواصلة القتال، وهو ما عزز صورته داخل المجتمع الإسرائيلي بوصفه قائدًا دفع ثمنًا شخصيًا للحرب.
ومع امتداد العمليات العسكرية، أخذ خلافه مع نتنياهو يتسع. ففي يناير/كانون الثاني 2024، وصف الحديث عن “الهزيمة المطلقة” لحركة حماس بأنه تصور غير واقعي، ودعا إلى إعطاء الأولوية لإبرام صفقة تبادل تعيد الأسرى الإسرائيليين. ثم حذر في رسالة وجهها إلى مجلس الحرب في فبراير/شباط من العام نفسه، من أن الحرب تُدار بمنطق الإنجازات التكتيكية في غياب رؤية استراتيجية واضحة، قبل أن يستقيل مع بيني غانتس في يونيو/حزيران 2024، معلنًا أن الحكومة فقدت القدرة على إدارة الحرب ورسم مسار سياسي لما بعدها.
غير أن هذا الخلاف لم يتناول جوهر الحرب أو كلفتها الإنسانية على الفلسطينيين، وانصب على طريقة إدارتها وقدرتها على تحقيق أهدافها المعلنة، فقد واصل أيزنكوت الدعوة إلى القضاء على حركة حماس عسكريًا وسياسيًا، وانتقد الحكومة لأنها أخفقت في بلورة تصور لليوم التالي في غزة، كما عبّر في ما يتعلق بالجبهة اللبنانية، عن اعتقاده بأن إسرائيل فوّتت فرصة توجيه ضربة أشد قسوة إلى حزب الله.
وبتالي فإن معارضته لنتنياهو ترتبط بجوهر المقاربات الأمنية الإسرائيلية ولا تمثل خروجًا عنها. فهو يطرح بديلًا أكثر انضباطًا في التخطيط واتخاذ القرار، مع احتفاظه بالمرتكزات الأساسية التي حكمت استخدام القوة الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يجعل الخلاف بين الرجلين أقرب إلى خلاف حول إدارة الصراع منه إلى اختلاف في تعريفه أو في أهدافه.
صعود وحدود
شكّل خروج غادي أيزنكوت من مجلس الحرب نقطة التحول الفعلية في مسيرته السياسية، ففي يونيو/حزيران 2024 غادر الحكومة مع بيني غانتس، قبل أن ينفصل عنه نهائيًا في منتصف عام 2025، معللًا ذلك بالحاجة إلى إعادة بناء معسكر الوسط على أسس جديدة. وبعد أشهر، أسس حزب “يشار“، مستقطبًا شخصيات أمنية واقتصادية بارزة، من بينها رئيس جهاز الشاباك الأسبق يورام كوهين، إلى جانب عدد من الجنرالات المتقاعدين وشخصيات تنتمي إلى يمين الوسط، بما منح الحزب طابعًا أمنيًا- تكنوقراطيًا أكثر منه حزبًا أيديولوجيًا تقليديًا.
وخلال صيف عام 2026، تصدر حزب “يشار” استطلاعات الرأي للمرة الأولى، متقدمًا على حزب الليكود أو متعادلًا معه بحسب عدد من الاستطلاعات، بينما تراجع تحالف بينت- لبيد إلى المركز الثالث، وخرج حزب بيني غانتس عمليًا من دائرة المنافسة. كما أظهرت الاستطلاعات تقدم أيزنكوت على بنيامين نتنياهو في ملاءمته لرئاسة الوزراء، إلى جانب تفوقه على أبرز قادة المعارضة الآخرين.
ويستند هذا الصعود إلى ثلاثة عوامل رئيسية: الأول، التراجع المستمر في صورة نتنياهو الأمنية، خاصة بعد الحرب على غزة وما أعقبها من الاتفاق الأمريكي- الإيراني، الذي نظر إليه قطاع من الإسرائيليين بوصفه إخفاقًا في تحقيق الأهداف التي رفعتها الحكومة. والثاني، حالة الإنهاك التي خلّفتها الحرب والانقسام الداخلي، وما أوجدته من طلب متزايد على شخصية تجمع بين الخبرة العسكرية والانضباط المؤسسي. أما العامل الثالث، فيرتبط بصورة أيزنكوت نفسه؛ فهو جنرال ارتبط اسمه بإعادة بناء الجيش، ودفع كلفة شخصية مباشرة في الحرب، وبقي خارج دائرة المسؤولية عن إخفاق السابع من أكتوبر، بما عزز تقديمه بوصفه نقيضًا لنتنياهو في الأسلوب وشكل القيادة.
غير أن هذا التقدم في الرأي العام لم يتحول، حتى الآن، إلى أغلبية برلمانية قادرة على تشكيل حكومة. فمعظم الاستطلاعات تمنح معسكره عددًا من المقاعد يقل عن عتبة الواحد والستين اللازمة لتشكيل ائتلاف، كما أن مواقفه السياسية تضيق خياراته الائتلافية؛ إذ يجعل موقفه من تجنيد الحريديم التحالف مع الأحزاب الدينية بالغ الصعوبة، بينما يغلق خلافه مع اليمين الديني الباب أمام شراكة مع أحزابه، في حين يرفض هو حتى الآن الانضواء تحت قيادة سياسية أخرى داخل معسكر الوسط.
وتكشف هذه المعادلة أن أزمة أيزنكوت لا تتعلق بالشعبية أو بالقدرة على منافسة نتنياهو، وإنما بترجمة هذا التقدم إلى أكثرية حاكمة داخل نظام سياسي شديد التشظي. كما أنها تضع حدودًا واضحة لفكرة “البديل” التي يقدمها؛ فالتغيير الذي يعد به يتركز على إصلاح آليات صنع القرار، وإعادة تنظيم المؤسسة الأمنية، ومحاسبة المسؤولين عن إخفاق السابع من أكتوبر، دون أن يحمل تحولًا جوهريًا في مقاربة إسرائيل للصراع مع الفلسطينيين.
وعليه، فإن صعود أيزنكوت يعكس بحث المجتمع الإسرائيلي عن قيادة أكثر انضباطًا ومؤسساتية بعد سنوات من الاستقطاب، أكثر مما يعكس تحولًا في اتجاهات السياسة الإسرائيلية أو مراجعة لمرتكزاتها الأساسية.
المصدر/ نون بوست
