{ هرمزُ وجنوبُ لبنان… بينَ النارِ والتفاهماتِ الكبرى.}
لم يعدْ مضيقُ هرمز مجرّدَ ممرٍّ مائيٍّ تعبرُه ناقلاتُ النفط، بل تحوّلَ إلى مركزِ الاشتباكِ الدوليِّ الأشدِّ حساسيةً في العالم، حيثُ تتقاطعُ المصالحُ الأميركيةُ والإيرانيةُ والخليجيةُ والدوليةُ فوقَ مساحةٍ بحريةٍ ضيّقة، قادرةٍ في أيِّ لحظةٍ على إشعالِ الاقتصادِ العالميِّ بأسره.
فالولاياتُ المتحدةُ، رغمَ استعراضِها العسكريِّ المتواصل، تدركُ أنّ الحربَ الشاملةَ مع إيران ليست نزهةً عسكرية، وأنّ أيَّ انفجارٍ واسعٍ في الخليج سيعني ارتفاعًا هائلًا في أسعارِ الطاقة، وانهيارًا في سلاسلِ الإمداد، واهتزازًا في الأسواقِ الدولية، وربما دخولَ العالمِ في ركودٍ اقتصاديٍّ جديد.
وفي المقابل، تعرفُ إيران أنّها لا تمتلكُ القدرةَ على إسقاطِ القوةِ الأميركيةِ عسكريًا، لكنها نجحت في فرضِ حقيقةٍ استراتيجيةٍ جديدة:
أنّ أمنَ الخليجِ وممرّاتِ الطاقةِ العالميةِ لا يمكنُ عزله عن موقعِها ودورها ونفوذِها الإقليمي.
من هنا، يبدو أنّ الصراعَ القائمَ اليومَ لا يتّجهُ نحوَ حربِ إلغاءٍ كاملة، بل نحوَ تفاهمٍ اضطراريٍّ غيرِ معلن، يقومُ على قاعدةِ “توازنِ الردع” لا “الحسمِ العسكري”.
فواشنطن تريدُ حريةَ الملاحةِ ومنعَ تحويلِ هرمز إلى أداةِ ضغطٍ دائمة، فيما تريدُ طهران اعترافًا بدورها الإقليمي، وتخفيفًا للعقوبات، وضماناتٍ بعدمِ استهدافِها استراتيجيًا.
لكنّ الأخطرَ في هذا المشهد، أنّ ملفَّ مضيقِ هرمز لم يعدْ منفصلًا عن ساحاتِ الاشتباكِ الأخرى، وفي مقدّمتها جنوبُ لبنان.
فالعدوُّ الصهيونيُّ، الذي يخوضُ مواجهةً مفتوحةً مع المقاومةِ في الجنوب، يدركُ أنّ أيَّ حربٍ واسعةٍ على لبنان لن تبقى محصورةً ضمنَ الجغرافيا اللبنانية، بل قد تمتدُّ تلقائيًا إلى الخليجِ والبحرِ الأحمرِ والعراق، وصولًا إلى مضيقِ هرمز نفسه.
ولهذا، فإنّ الإدارةَ الأميركيةَ تسعى اليومَ إلى صياغةِ “ورقةِ تفاهمٍ” أوسعَ من الملفِّ النوويِّ وحده، تشملُ عمليًا:
ضبطَ الاشتباكِ في الخليج، ومنعَ إغلاقِ هرمز، واحتواءَ الحربِ في جنوبِ لبنان، ومنعَ انزلاقِ المنطقةِ إلى مواجهةٍ إقليميةٍ شاملة.
وفي هذا السياق، تتحوّلُ المقاومةُ في لبنان إلى جزءٍ من معادلةِ الردعِ الإقليمي، لا باعتبارِها ملفًا لبنانيًا داخليًا فحسب، بل باعتبارِها عنصرَ ضغطٍ مباشرًا في أيِّ تفاهمٍ أميركي–إيرانيٍّ مقبل.
فالولاياتُ المتحدةُ تدركُ أنّ استمرارَ الحربِ في الجنوبِ يستنزفُ “إسرائيل”، ويُبقي الجبهةَ الشماليةَ مفتوحةً على احتمالاتٍ خطيرة، فيما ترى إيران أنّ أوراقَ القوةِ الممتدةَ من جنوبِ لبنان إلى هرمز تشكّلُ شبكةَ حمايةٍ استراتيجيةٍ لموقعِها الإقليمي.
ومن هنا، فإنّ ما يجري اليومَ يتجاوزُ العناوينَ العسكريةَ المباشرة.
إنّه صراعٌ على شكلِ النظامِ الإقليميِّ الجديد:
بينَ مشروعٍ أميركي–صهيونيٍّ يريدُ فرضَ الهيمنةِ بالقوة، ومحورِ مقاومةٍ يسعى إلى تثبيتِ معادلةِ الردعِ وكسرِ الاحتكارِ الاستراتيجيِّ للقرارِ الدولي.
ولهذا، يبدو أنّ المرحلةَ المقبلةَ لن تحملَ انتصارًا حاسمًا لأيِّ طرف، بل تفاهماتٍ هشّةً تحتَ النار:
هرمزُ مقابلَ الهدوء،
والجنوبُ مقابلَ ضبطِ الاشتباك،
والنوويُّ مقابلَ تخفيفِ العقوبات.
إلّا أنّ جذورَ الصراعِ ستبقى قائمة، لأنّ المسألةَ لم تعدْ نزاعًا حدوديًا أو أزمةَ ملاحةٍ بحرية، بل مواجهةً مفتوحةً على مستقبلِ المنطقةِ كلّها، وعلى موازينِ القوةِ في الشرقِ بأسره.
الأمين أحمد الأيوبي
