رسالة إلى قادة الإطار.. لا تجعلوا التخلص من المقاومة بدايةً لشروط لا تنتهي

رسول حسين ابو السبح

ثمة لحظات في التاريخ لا تحتاج إلى تقارير استخبارية ولا إلى مراكز دراسات استراتيجية كي تكشف اتجاه الريح، بل تكفي إشارة واحدة لتعرّي أوهاماً بُنيت عليها حسابات كاملة.

خلال الأشهر الأخيرة تصاعد الحديث عن ضرورة تقديم التنازلات، وعن أن تخفيف حضور المقاومة العراقية أو التخلص منها قد يكون الطريق الأقصر لتخفيف الضغوط الخارجية وفتح أبواب التسويات، بدا المشهد وكأن هناك من يعتقد أن المشكلة تكمن في عناصر القوة نفسها، لا في الأطماع التي تستهدف البلد والمنطقة.

لكن التجربة السياسية تقول شيئاً مختلفاً تماماً، فالطرف الذي يطالبك اليوم بالتراجع خطوة، لن يكتفي غداً بما قدمته له، بل سيطالبك بخطوة ثانية وثالثة ورابعة، هذه ليست فرضية نظرية، بل قاعدة أثبتتها تجارب كثيرة في العلاقات الدولية، فكلما ازداد حجم التنازل، ارتفع سقف المطالب، وكلما انخفضت أوراق القوة، ازدادت شهية الخصوم لفرض شروط جديدة.

من هنا تبدو بعض القراءات السياسية الحالية بحاجة إلى مراجعة عميقة، فالمطلوب ليس التساؤل عما إذا كانت المقاومة عبئاً أم لا، بل التساؤل عمّا سيحدث بعد غيابها أو إضعافها، هل ستتوقف الضغوط؟ أم ستبدأ مرحلة جديدة من الإملاءات السياسية والأمنية والاقتصادية؟

ما جرى في مقابلة الزيدي مع ترامب شكّل، بالنسبة لكثيرين، لحظة كاشفة، فقد أعادت تلك المقابلة التذكير بحقيقة النظرة التي تحكم العقل السياسي الأمريكي تجاه المنطقة، والأهم أنها وضعت بعض الرهانات أمام اختبار صعب، بعدما ظهر أن لغة القوة والمصالح ما زالت هي الحاكمة، لا لغة المجاملات أو حسن النوايا.

ولهذا فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى جميع القوى السياسية العراقية، من السيد نوري المالكي، إلى الشيخ قيس الخزعلي، إلى السيد عمار الحكيم، إلى الحاج هادي العامري، هي أن المرحلة ليست مرحلة اندفاع نحو تقديم المزيد من الأوراق المجانية، بل مرحلة مراجعة دقيقة للحسابات.

إن أخطر ما يمكن أن تفعله القيادات في اللحظات المصيرية هو أن تتعامل مع الضغوط باعتبارها قدراً لا يمكن مقاومته، أو أن تتصور أن التراجع سيضمن لها الأمان، فالتاريخ مليء بقوى سلّمت أوراق قوتها أملاً في تجنب المواجهة، لكنها اكتشفت لاحقاً أنها لم تتجنب المواجهة، بل خسرت أدواتها قبل أن تبدأ.

اليوم، وما زالت الطريق في بدايتها، تبدو المراجعة ضرورة وطنية قبل أن تكون خياراً سياسياً، لأن القرارات التي تُتخذ في هذه اللحظات لن تحدد مصير فصيل أو حزب أو تيار، بل قد تحدد شكل العراق كله في السنوات القادمة.

أما الرسالة الأهم فهي أن من يسلم رقبته للجلاد طوعاً، لن يكون قادراً بعد ذلك على التفاوض على شروط النجاة.

ولهذا فإن الحكمة تقتضي إعادة النظر في الحسابات الآن، لا بعد أن تصبح الخيارات أقل، والضغوط أكبر، والندم بلا جدوى