لم تعد المفاوضات الأميركية–الإيرانية تدور حول أجهزة الطرد المركزي أو نسب تخصيب اليورانيوم كما تحاول وسائل الإعلام الغربية تصويرها. فهذه الملفات لم تعد سوى العنوان الظاهر لمعركة أكبر بكثير، معركة تتعلق بمستقبل موازين القوى في غرب آسيا، وبالسؤال الذي يؤرق واشنطن منذ سنوات: كيف يمكن احتواء قوة إقليمية نجحت، رغم العقوبات والحصار والتهديدات والحروب بالوكالة، في الحفاظ على استقلال قرارها الاستراتيجي؟

في المقابل، تنظر طهران إلى المشهد من زاوية مختلفة تماماً. فالقضية بالنسبة إليها لم تعد قضية اتفاق نووي أو رفع عقوبات فحسب، بل قضية سيادة وطنية وتجربة تاريخية أثبتت أن التوقيع الأميركي لا يكفي، وأن الضمانات الورقية يمكن أن تتحول إلى رماد بمجرد وصول إدارة جديدة إلى البيت الأبيض.

لهذا تبدو المفاوضات اليوم وكأنها تدور داخل دائرة مغلقة؛ واشنطن تطالب بتنازلات استراتيجية كبرى، وطهران تطالب بضمانات استراتيجية غير مسبوقة. وبين الطلبين تقف هوة عميقة من انعدام الثقة صنعتها سنوات طويلة من الصراع.

نهاية زمن الوصاية الأميركية

المشكلة الأساسية أن الولايات المتحدة لا تزال تتعامل مع المنطقة بعقلية التسعينيات، أي بعقلية القطب الأوحد القادر على فرض شروطه وإملاء إرادته على الآخرين. لكن الوقائع الميدانية والسياسية والعسكرية خلال العقدين الأخيرين أثبتت أن هذه المرحلة تقترب من نهايتها.

فواشنطن تدخل المفاوضات وهي تحمل خمس قضايا رئيسية: البرنامج النووي، أجهزة الطرد المركزي، الصواريخ الباليستية، القوى الحليفة لإيران في المنطقة، وأمن الملاحة في مضيق هرمز.

لكن الرد الإيراني على هذه الملفات يكشف عن تحول عميق في طبيعة التفكير الاستراتيجي. فطهران لم تعد تتفاوض من موقع الدفاع، بل من موقع يعتبر أن عناصر القوة التي راكمتها خلال العقود الماضية ليست بنوداً قابلة للبيع أو المقايضة.

في ملف القوى الحليفة لإيران، يأتي الجواب الإيراني واضحاً: لبنان ليس تابعاً لطهران، واليمن ليس محافظة إيرانية، والعراق ليس ساحة نفوذ قابلة للمساومة. ومن يريد معالجة هذه الملفات عليه أن يتعامل مع أصحابها مباشرة. هذه المقاربة لا تعكس مجرد موقف تفاوضي، بل تعكس رؤية كاملة تقوم على رفض تحويل شعوب المنطقة وقواها السياسية إلى أوراق تفاوض بين القوى الكبرى.

أزمة الثقة: من اتفاق 2015 إلى سقوط الوهم الأميركي

منذ انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي عام 2018، لم تعد الأزمة أزمة تخصيب أو رقابة دولية، بل أصبحت أزمة ثقة وجودية.فمن وجهة نظر طهران، أثبتت التجربة أن الولايات المتحدة تستطيع أن تطلب التنازلات اليوم ثم تنقلب على تعهداتها غداً دون أن تتحمل أي كلفة حقيقية.

لذلك لم يعد السؤال الإيراني: ماذا سنحصل إذا وقعنا الاتفاق؟ بل أصبح: ماذا سيحدث عندما تنسحب واشنطن مرة أخرى؟هذه العقدة هي التي تفسر رفض طهران التعامل مع الأموال الإيرانية المجمدة وكأنها “هبة” أميركية أو “حافز” للتفاوض.

فالإفراج عن جزء من الأموال المحتجزة لا يُنظر إليه باعتباره مكسباً، بل استعادة لحق أصيل لا يجوز تحويله إلى أداة ابتزاز سياسي.

ومن هنا بدأت تظهر أفكار جديدة وغير تقليدية تتجاوز الضمانات القانونية التقليدية، وتقوم على جعل أي انسحاب أميركي مستقبلي مكلفاً اقتصادياً. فالمشكلة لم تعد في صياغة الاتفاق، بل في كيفية حماية الاتفاق من التقلبات السياسية داخل الولايات المتحدة نفسها.

من الردع العسكري إلى الردع الاقتصادي والتكنولوجي

أخطر ما تغير في المشهد الإقليمي ليس حجم الترسانة العسكرية الإيرانية، بل طبيعة أدوات الردع الجديدة.

في السابق كانت الحروب تُقاس بعدد الطائرات والدبابات وحاملات الطائرات. أما اليوم فقد أصبح الاقتصاد والبنية التحتية والتكنولوجيا عناصر حاسمة في معادلات القوة.ولهذا لم يعد الحديث عن مضيق هرمز مجرد حديث عن ناقلات نفط.

فالمضيق يمثل شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي، وأي اضطراب فيه ينعكس فوراً على أسواق الطاقة والتجارة الدولية.لكن ما هو أخطر من ذلك أن المنطقة تحولت إلى عقدة مركزية لشبكات الاتصالات العالمية والكابلات البحرية والبنية الرقمية العابرة للقارات.

وهنا تظهر معادلة جديدة في التفكير الاستراتيجي: إذا كان الغرب يهدد بإلحاق أضرار هائلة بدول المنطقة، فإن لدى خصومه القدرة على إلحاق أضرار موازية بالبنية الاقتصادية والتكنولوجية التي يقوم عليها النظام العالمي نفسه.

هذا التحول يعني أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل أصبحت مواجهة شاملة تمتد من الموانئ والمضائق إلى الأسواق والشبكات الرقمية ومراكز الاستثمار.

الدرس اليمني الذي أقلق واشنطن

ربما كانت التجربة اليمنية من أكثر الأحداث التي ساهمت في إعادة تشكيل التفكير الاستراتيجي الأميركي.

فالحرب التي افترض البعض أنها ستكون قصيرة وحاسمة تحولت إلى نموذج مختلف تماماً. لقد أظهرت أن الفارق التقليدي في القوة العسكرية لا يكفي وحده لحسم الصراعات، وأن استهداف البنى الاقتصادية الحساسة قد يفرض معادلات ردع جديدة تتجاوز الحسابات الكلاسيكية.

ومن هنا بدأ المستثمرون وشركات الطاقة ومراكز القرار الاقتصادي ينظرون إلى أي مواجهة واسعة مع إيران باعتبارها مغامرة محفوفة بمخاطر غير مسبوقة. فالسؤال لم يعد: هل تستطيع واشنطن بدء الحرب؟ بل أصبح: هل تستطيع تحمل كلفتها الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية؟هذه النقطة بالتحديد هي التي تجعل الخطاب العسكري الصاخب أقل تأثيراً مما يبدو في الإعلام. فصناع القرار يدركون أن إشعال مواجهة كبرى قد يفتح أبواباً يصعب إغلاقها لاحقا.

اليورانيوم: الورقة التي تحولت إلى رمز سيادي

في قلب كل هذه المعركة يبقى ملف اليورانيوم المخصب.غير أن قيمته اليوم لم تعد تقنية فقط، بل سياسية ورمزية أيضاً. فبعد سنوات من العقوبات والضغوط، أصبح هذا الملف يمثل بالنسبة لطهران دليلاً على قدرتها على الصمود ورفض الإملاءات الخارجية.ولهذا فإن أي مقترح يتعلق بتجميد أو نقل أو تخفيض المخزون المخصب لا يُناقش في إيران باعتباره قضية فنية، بل باعتباره قضية سيادية مرتبطة بمكانة الدولة وقدرتها على فرض شروطها في التفاوض.حتى المقترحات الدولية التي تتحدث عن نقل جزء من المخزون إلى الخارج تصطدم بالسؤال نفسه: ما المقابل الحقيقي؟ وما الضمانة التي تمنع تكرار سيناريو الانسحاب الأميركي مستقبلاً؟

المفاوضات التي تخفي صراعاً على مستقبل المنطقة

الحقيقة التي تحاول الدبلوماسية التقليدية إخفاءها هي أن ما يجري ليس مفاوضات نووية بالمعنى الضيق، بل مواجهة حول شكل النظام الإقليمي المقبل.

واشنطن تريد شرقاً أوسطاً يبقى خاضعاً لمعادلات الهيمنة الأميركية ولتفوق الكيان الصهيوني الاستراتيجي. أما إيران وحلفاؤها فيسعون إلى تثبيت واقع جديد يقوم على تعدد مراكز القوة ورفض الاحتكار الأميركي للقرار السياسي والأمني.

لذلك تبدو المفاوضات وكأنها تدور حول اليورانيوم، بينما تدور في جوهرها حول سؤال أكبر بكثير: من سيرسم خرائط النفوذ والقوة في العقود القادمة؟

الخاتمة: المنطقة على أعتاب معادلة تاريخية جديدة

ما تكشفه الأزمة الحالية هو أن العالم الذي نشأ بعد الحرب الباردة يتعرض لتصدعات متزايدة. فالقوة العسكرية الأميركية ما زالت هائلة، لكنها لم تعد كافية وحدها لفرض الاستسلام السياسي. والعقوبات ما زالت مؤلمة، لكنها لم تعد قادرة على كسر إرادة الدول كما في السابق.

لهذا تبدو المفاوضات الأميركية–الإيرانية عالقة بين زمنين: زمن الهيمنة الأحادية الذي تحاول واشنطن الحفاظ عليه، وزمن التوازنات الجديدة الذي يفرض نفسه تدريجياً على أرض الواقع.

وفي ظل هذا التناقض، لا يبدو أن الطريق نحو اتفاق شامل بات سهلاً أو قريباً. فالمسألة لم تعد تتعلق بتوقيع وثيقة أو تحديد نسبة تخصيب، بل بإعادة تعريف العلاقة بين القوة والسيادة والردع في منطقة أصبحت أحد أهم ميادين التحول في النظام الدولي.

إنها لحظة تاريخية تتجاوز حدود الملف النووي نفسه؛ لحظة يُعاد فيها رسم ميزان القوى الإقليمي، وتتقرر فيها قدرة الشعوب والدول المستقلة على فرض مكانها في عالم لم يعد يقبل بسهولة قواعد الوصاية القديمة، مهما بلغت قوة أصحابها.

د. نبيلة عفيف غصن