في فقه التحولات ونهوض الوعي التاريخي
يمر الشرق الأوسط بمنعطف تاريخي استثنائي، تتساقط فيه سرديات القوة التي هيمنت على المنطقة لعقود، وتتكشف فيه الفجوات الهائلة بين الخطاب السياسي الدعائي الغارق في أوهام “العظمة الأيديولوجية”، وبين حقائق الميدان العسكري واللوجستي التي تفرضها الجغرافيا وتوازنات القوى الجديدة. إن المجتمعات والدول لا تنهض بالوعود الزائفة ولا بالاتكاء على أمجاد الماضي السحيق، بل بالقراءة الصارمة للواقع، والاعتراف بمواطن الخلل، وامتلاك أدوات العصر وتكنولوجياته.
في هذا السياق، يأتي المشهد الإسرائيلي الحالي ليعكس حالة حادة من “الانفصام الاستراتيجي” وشرخاً عميقاً بين مستويين: مستوى سياسي قومي متطرف يعيش حالة انتشاء وتعاظم لافت للأوهام التوسعية، ومستوى عسكري وأمني واقعي يدرك حدود القوة، ويعترف في الغرف المغلقة وعبر كبريات الصحف بالعجز والاستنزاف. إن هذا التباين ليس مجرد خلاف في وجهات النظر، بل هو مؤشر على تحول جيوسياسي كبير يعيد صياغة معادلات الصراع في المنطقة.
1. فجوة الأيديولوجيا مقابل الواقع الجيوسياسي: أوهام التوسع وجدار الجغرافيا
تطل علينا بين الحين والآخر تصريحات لشخصيات تنتمي لتيار اليمين القومي الراديكالي في إسرائيل، ولعل أبرزها ما جاء على لسان الجاسوس السابق جوناثان بولارد؛ هذا الرجل الذي عاش حياته محاطاً بالرعاية والدعم، ولم يذق يوماً مرارة الحروب أو قسوة الخنادق، يخرج بكلام غارق في “النشوة المفرطة” ليعلن أن على “إسرائيل”، بعد الفراغ من جبهات إيران وغزة ولبنان، أن تتأهب لشن حروب جديدة تهدف إلى إخضاع مصر وتركيا. يرى بولارد ومن يفكر بعقليته أن هاتين الدولتين هما العقبتان الأخيرتان أمام فرض “السيطرة الشاملة والمطلقة” لإسرائيل على الشرق الأوسط.
الدولة المصرية: تمتلك مصر أضخم جيش تقليدي في منطقة الشرق الأوسط، ترسانة مسلحة بأحدث المنظومات الشرقية والغربية، وعقيدة عسكرية راسخة ترتكز على حماية الأمن القومي العربي والمصري. فضلاً عن أن اتفاقية السلام (كامب ديفيد) شكلت على مدار عقود ركيزة أساسية للاستقرار الأمني الإسرائيلي، وبدونها تقع تل أبيب في حصار استراتيجي خانق.
إن التفكير في مواجهة هاتين القوتين العسكريتين مجتمعتين، في ذات الوقت الذي يعجز فيه الجيش الإسرائيلي عن حسم المعارك بشكل نهائي في جبهات قريبة ومحصورة استراتيجياً مثل قطاع غزة وجنوب لبنان، أو إيجاد مخرج سياسي يحفظ ماء الوجه في مواجهته مع إيران، يوضح انصلاخاً تاماً عن أبسط قواعد الحسابات العسكرية، ويدل على أن العقلية الاستعمارية القديمة باتت منفصلة تماماً عن معطيات الواقع الحقيقي.
2. متلازمة “الجيل القديم” وسردية الثلاثة آلاف عام
يتغلغل في عقول وتكتيكات بعض القادة والمنظرين في إسرائيل ما يمكن تسميته بـ “عقلية البومرز” (Boomer Mentality)؛ وهي حالة من الغيبوبة الفكرية والسياسية القائمة على اجترار “نشوة حرب عام 1967” التي حدثت قبل نحو ستين عاماً في ظروف إقليمية ودولية مختلفة كلياً. يظن هؤلاء أن التاريخ يمكن أن يعيد نفسه بذات الأدوات والنتائج، متجاهلين أن الشعوب المحيطة بهم قد تغيرت، وتطورت أدواتها، وامتلكت من الوعي والقدرة القتالية ما لم تكن تمتلكه في القرن الماضي.
والأنكى من ذلك، أن هذه العقلية لا تكتفي باجترار أحداث قبل ستين عاماً، بل تذهب أبعد من ذلك عبر استدعاء وعود وأساطير عمرها أكثر من ثلاثة آلاف عام، وتوظيفها كخطط عمل عسكرية وجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين. إن هذا الخلط الخطير بين الميثولوجيا (الأساطير) والجيوبولتيك (السياسة الواقعية) يقود حتماً إلى كوارث استراتيجية؛ فالجيوش الحديثة لا تقاتل بالأوهام التاريخية، بل تقاتل بالخطط واللوجستيات، والذخائر، والتفوق التكنولوجي، والروح المعنوية المستندة إلى قضايا عادلة. وعندما تصبح الخرافة هي المحرك الأساسي لقرار الحرب والسلم، فإن النتيجة الحتمية هي الاندفاع نحو الانتحار الجماعي على أسوار الواقع.
على المقلب الآخر، وبعيداً عن بهرجة التصريحات السياسية الغوغائية، تنشر صحيفة “إسرائيل هيوم” —وهي واحدة من أكبر الصحف العبرية والمحسوبة تاريخياً على تيار اليمين المحافظ— تقارير صادمة تعكس حجم القلق والذعر داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية. ينقل التقرير اعترافات صريحة من كبار المسؤولين في الأجهزة الأمنية يقرّون فيها بوجود “إخفاقات وفشل ذريع” في طريقة إدارة المواجهات والعمليات العسكرية سواء داخل لبنان أو في مواجهة إيران.
تراجع الالتزام السياسي الأمريكي: تشير الدوائر الأمنية بقلق إلى أن الدعم الأمريكي لم يعد “شيكاً على بياض”. فالتحولات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة، والضغوط الاقتصادية، وتغير أولويات السياسة الخارجية لواشنطن في ظل الصراعات الدولية الأخرى، جعلت الغطاء السياسي والعسكري الأمريكي مشروطاً ومهتزاً، ولا يتحمل مغامرات جنونية قد تجر المنطقة إلى حرب إقليمية شاملة لا تريدها واشنطن.
4. معضلة المسيرات الانقضاضية (FPV): السلاح الذي أسقط هيبة التكنولوجيا
لم تتوقف الاعترافات بالإخفاق عند حدود نقص الذخائر، بل تجاوزتها إلى الكشف عن عجز تكنولوجي وتكتيكي واضح في التعامل مع أدوات الحرب الحديثة. ففي الوقت الذي يخرج فيه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ليدلي بتصريحات يحاول فيها التقليل من شأن خطر الطائرات المسيرة الانقضاضية (FPV Drones)، والادعاء بأن حكومته وجيشه قادرون على تحييد هذا التهديد ببساطة، تأتي الصدمة من داخل المؤسسة العسكرية نفسها.
أكدت التقارير الصادرة أن أحداً في الدوائر الأمنية والعسكرية لا يأخذ كلام نتنياهو على محمل الجد، بل إن تقليله المستمر من خطر هذه المسيرات جعل منه “أضحوكة وسخرية” بين الضباط والخبراء العسكريين الذين يواجهون هذا الموت الطائر يومياً في الميدان. وتكمن خطورة هذا التهديد في الآتي:
سلاح الفقراء الفتاك: هذه الطائرات المسيرة، رخيصة التكلفة وسهلة التصنيع، أحدثت ثورة في العقيدة العسكرية العالمية (كما ظهر في حرب أوكرانيا وجبهات لبنان وغزة). إنها قادرة على اختراق أعتى المنظومات الدفاعية المصممة لصد الصواريخ الكبيرة، وتقوم باستهداف الآليات الثقيلة، وتجمعات الجنود، والمنشآت الحساسة بدقة متناهية وبكلفة لا تذكر.
الشرخ الميداني والسياسي: عندما تستهزئ القيادة السياسية بخطر يلتهم أرواح الجنود ويدمر الآليات في الميدان، يحدث شرخ عميق في الثقة بين القواعد العسكرية وصناع القرار. هذا الانفصال عن الواقع الميداني يضعف الجبهة الداخلية “الإسرائيلية” ويظهر القيادة السياسية بمظهر من يبيع الوهم للجمهور من أجل الحفاظ على كرسي السلطة.
الدرس النهضوي لشرق أوسط جديد
إن هذا التحليل المعمق للمشهد الإسرائيلي يقدم درساً نهضوياً بليغاً لكل شعوب ودول المنطقة؛ فالقوة ليست مجرد ترسانة عسكرية مكدسة، ولا هي خطابات نارية تستدعي أساطير الماضي السحيق، بل إن القوة الحقيقية هي مزيج من الواقعية السياسية، الاكتفاء الذاتي اللوجستي، والانسجام بين القيادة والقواعد، وامتلاك تكنولوجيا العصر وتطويعها في الميدان.
يتضح جلياً أن إسرائيل تعيش مأزقاً استراتيجياً وتاريخياً غير مسبوق، حيث تتآكل عقيدتها الهجومية القائمة على الحروب الخاطفة والناجزة على أرض الخصوم، لتتحول قسراً إلى عقيدة دفاعية مستنزفة تبحث عن قطرات الغطاء الأمريكي والذخائر الغربية للبقاء. إن تداعي أوهام التوسع والهيمنة المطلقة أمام ضربات الواقع التكتيكي يعلن بوضوح أن زمن الاستخفاف بقدرات شعوب المنطقة وجيوشها قد ولى إلى غير رجعة، وأن النهضة الحقيقية تبدأ من فهم موازين القوى بدقة، واستثمار مكامن القوة الذاتية، ومواجهة أوهام الأعداء بحقائق الميدان الصلبة.
د. نبيلة عفيف غصن
