يكشف طلب التمويل السري البالغ 9 مليارات دولار، والذي وافقت عليه الإدارة الأمريكية مؤخرًا لصالح مجتمع الاستخبارات (IC)، عن تحول هيكلي في مفهوم الأمن القومي؛ حيث لم يعد التفوق الاستخباري معتمدًا فقط على كفاءة العنصر البشري أو شبكات التجسس التقليدية، بل أصبح مشروطًا بمدى امتلاك “السيادة الحسابية” (Computational Sovereignty) القدرة على معالجة البيانات الضخمة محليًا وداخل بيئات معزولة تمامًا.
يعكس هذا التحرك، الذي حظي بتغطية موسعة من صحيفة New York Times، محاولة من وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) ووكالة الأمن القومي (NSA) لكسر طوق التبعية لشركات التكنولوجيا الكبرى (Big Tech)، وسد الفجوة الحرجة في الأجهزة والعتاد (Hardware) التي باتت تهدد مرونة العمليات الأمنية.
1. أزمة الاختناق في العتاد والتبعية لـ Big Tech
تكمن الأزمة الأساسية للأجهزة الاستخبارية في عجز شبكاتها المغلقة والمصنفة (Classified Networks) عن تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي المتطورة. هذه النماذج تتطلب قدرات معالجة هائلة تتجاوز بمراحل البنية التحتية الحالية للشبكات الحكومية المعزولة، مما وضع الأجهزة الأمنية أمام خيارين أحلاهما مر:
إما المخاطرة بنقل بعض البيانات إلى السحابات التجارية (مثل Amazon أو Google) لتحليلها، وهو ما يمثل خرقًا أمنيًا جسيمًا بروتوكولياً.
أو الاستمرار في استخدام نماذج متخلفة تقنيًا مقارنة بما تمتلكه الشركات التجارية، مما يعني خسارة واضحة في سباق معالجة البيانات وصنع القرار.
إن رصد مبلغ 9 مليارات دولار لا يستهدف تمويل تطوير برمجيات أو نماذج لغوية جديدة، بل يذهب مباشرة للاستثمار في العتاد الصلب: شراء المعالجات الفائقة (مثل معماريات Nvidia Grace Blackwell)، وبناء مراكز بيانات فيدرالية مخصصة تتميز بأنظمة تبريد سائل متطورة وشبكات طاقة مستقلة تمامًا عن الشبكات المدنية.
2. مفارقة “أنثروبيك” (Anthropic) وصراع الصلاحيات
تظهر أعمق نقاط الضعف الحالية في مرونة هذا النظام عبر التعاون المستمر بين وكالة الأمن القومي (NSA) وشركة الذكاء الاصطناعي Anthropic. تفيد التقارير بأن الوكالة تعتمد على نموذج الشركة المتقدم (المعروف باسم Mythos) نظراً لمرونته وقدرته على العمل على أجيال أقدم من الرقائق المتاحة حالياً داخل الشبكات الأمنية.
هذا التعاون يكشف عن مفارقة تنظيمية حادة:
موقف البنتاغون: وضعت وزارة الدفاع الأمريكية شركة Anthropic سابقًا على القوائم السوداء باعتبارها “تهديداً لسلسلة التوريد القومية”، مدفوعة بمخاوف تتعلق بهيكل المساهمين والتمويل الأجنبي.
موقف البيت الأبيض: تدخلت رئيسة موظفي البيت الأبيض، سوسي وايلز، لتجاوز فيتو البنتاغون ومنح وكالة الأمن القومي تفويضاً استثنائياً لمواصلة استخدام النموذج، مع صياغة اتفاقية تصنف كقالب قانوني صارم يمنع استخدام البيانات الخاصة بالمواطنين الأمريكيين.
توضح هذه المفارقة أن الحاجة العملياتية الفورية لفرز ملايين الاتصالات الرقمية، الصور الفضائية، وبيانات المصادر المفتوحة (OSINT) أجبرت الدولة على تجاوز خطوطها الحمراء اللوجستية، معترفةً بشكل ضمني بعدم قدرتها على الاستغناء عن المطورين التجاريين في المرحلة الحالية.
3. الرقائق كعنصر تسلح استراتيجي وتحول المحاور الأمنية
يعيد هذا التطور صياغة التنافس الجيوسياسي الدولي (خاصة بين واشنطن وبكين) ليتجاوز مرحلة “حرب النماذج” إلى مرحلة “حرب البنية التحتية”. ويظهر هذا التحول بوضوح عند رصد التغير الجذري في المحاور الاستراتيجية للأمن القومي؛ حيث تبدلت طبيعة التقنية من كونها مجرد أداة مساعدة أو برمجيات تجريبية لتحسين الكفاءة الإدارية، لتصبح بنية تحتية سيادية حرجة مساوية للأقمار الصناعية ومنظومات الإنذار المبكر.
كما انتقل شكل الاعتمادية اللوجستية من العقود البرمجية المرنة مع شركات وادي السيلكون عبر نموذج البرمجيات كخدمة (SaaS)، إلى الاستحواذ الفيزيائي المباشر على الرقائق فائقة الأداء وبناء منشآت طاقة معزولة تماماً. وبناءً على ذلك، تغير موقع التفوق الاستخباري نفسه؛ فلم يعد مقتصراً على التميز التقليدي في جمع المعلومات واختراق الشبكات، بل بات يُقاس بالقدرة الحاسوبية الفائقة على معالجة البيانات وفك الشفرات بمعدلات زمنية قياسية.
إن القيود الصارمة التي تفرضها واشنطن على تصدير رقائق Nvidia المتطورة إلى الصين، بالتوازي مع تخصيص ميزانيات طوارئ عاجلة (مثل ضخ البيت الأبيض لـ 800 مليون دولار كتمويل فوري مؤقت قبل موافقة الكونغرس الكاملة على الحزمة)، تثبت أن العجز الحسابي بات مرادفاً للعجز الاستخباري.
خلاصة
تمثل هذه الخطوة الأمريكية إعلانًا رسميًا عن نشوء “سحابة الذكاء الاصطناعي السيادية للاستخبارات”. بالنسبة للدول الأخرى والمراقبين الدوليين، فإن الرسالة الأساسية تتجاوز ضخامة الرقم المالي؛ إنها تؤكد أن التفوق الجيوسياسي في العقد الحالي لن يقاس فقط بعدد الرؤوس الحربية أو حاملات الطائرات، بل بقدرة الدولة على تأمين سلاسل توريد الرقائق الفائقة، وبناء حصون كمية مستقلة قادرة على تدوير وتدريب الذكاء الاصطناعي داخل أسوار سيادتها القومية دون وسيط تجاري أو ثغرة لوجستية.
د. نبيلة عفيف غصن
