مقدمة: تفكيك الاستبداد المقدس
​إن اليقظة الحضارية للأمم لا تنبثق من تمجيد الماضي ولا من الاستسلام لخرابه، بل تبدأ من شجاعة النقد الذاتي وهدم الأوثان الفكرية التي كبّلت العقل الإنساني بقرون من الظلامية. إننا نعيش في عصر تشوهت فيه المفاهيم الدينية، وتحولت الرسالات الروحية الإنسانية إلى أيديولوجيات دموية تُستباح بها الحياة الإنسانية. ومن هنا، تبرز الضرورة النهضوية القصوى لتعرية الأنساق العقلية المغلقة، وتفكيك البنى المعرفية التي تلتقي فيها الحركات المتطرفة عابرة للأديان والأسطورة.
​إن هذا المقال لا يبحث في مقارنة لاهوتية تقليدية، بل يقدم تشريحاً معرفياً وسياسياً ونارياً يغوص في العقل الإقصائي، كاشفاً عن التطابق الهيكلي العجيب والوظيفي الرهيب بين سيكولوجية السلفية الجهادية المعاصرة (التي اتخذت من فتاوى الشيخ ابن تيمية بعد تجريدها من سياقها التاريخي قناعاً أيديولوجياً، وجسّدها تنظيم “داعش” في أبشع صوره) وبين العقيدة التوراتية الأولى في قراءاتها الحربية البدائية. إن الهدف الأسمى هنا ليس مجرد السرد التاريخي، بل إشعال وعي نهضوي نقدي يرى في استئصال الأيديولوجيا الاستئصالية خطوة أولى نحو تحرير الإنسان وبناء مستقبله الحُر [1].
​أولاً: احتكار الحقيقة ومفهوم “التكفير” كآلية للنفي الوجودي
​يتأسس الفكر الإقصائي، في أعتى تظاهراته، على وهم حيازة الحقيقة المطلقة واحتكار الحديث باسم السماء. هذا التمحور حول “الذات المقدسة” يُنتج ضرورةً آلية دموية تُعرف في الأدبيات الإسلامية بـ”التكفير”، وتتجلى في الأدبيات التوراتية القديمة بنبذ الأغيار والهرطقة. إنها عملية إلغاء معنوي وقانوني تسبق وتشرعن الإلغاء الجسدي الفعلي [2].
​حين نأتي إلى تنظيم “داعش” والمنظومة الفكرية التي اتكأ عليها، نجد إحياءً لفتاوى ابن تيمية التي صيغت إبان الغزو المغولي والاضطراب المذهبي في العصر المملوكي. لقد تبنت “داعش” هذا التراث وترجمته إلى أيديولوجيا هجومية شاملة، حيث توسعت في مفهوم “الردة” و”الطائفة الممتنعة عن شرائع الإسلام” [3]. التكفير هنا لم يعد موقفاً فكرياً، بل صار صك إعدام جماعي مسلطاً على رقاب المخالفين؛ فلم يسلم منه عموم المسلمين من شيعة وصوفية وأشاعرة وعلويين ودروز، الذين نُظر إليهم باعتبارهم ملوّثين للعقيدة الصافية، والبدء بقتالهم أولى من قتال الكافر الأصلي [4].
​في المقابل، عند الغوص في البنية العميقة للعقيدة التوراتية (كالتثنية ويشوع)، نجد أن مفهوم “التكفير” أو “النبذ الديني” يأخذ طابعاً وجودياً صارماً. إن الآخر الكنعاني أو اليبوسي أو العموري ليس مجرد شخص يتبنى جغرافيا أو ديانة مختلفة، بل هو كيان نجس، كافر بـ”العهد” الإلهي، ويشكل خطراً أيديولوجياً داهماً قد يُفسد إيمان الجماعة [5]. تفرض التوراتية قطيعة مبرمة مع هذا الآخر، وتحرم أي تواصل قيمي أو اجتماعي معه؛ فالآلية الذهنية واحدة لا تتبدل: عزل الجماعة داخل شرنقة من اليقين المتعصب، وتحويل كل من يقع خارج حدود هذا اليقين إلى عدو للإله يستحق السحق والنفي الشامل [6].
​ثانياً: من سلالة الدم إلى نقاء الفكرة: سيكولوجية الاستعلاء واصطفاء الفئة
​تتحرك الأيديولوجيا المتطرفة دائماً بدافع من سيكولوجية الفوقية والاستعلاء، معتقدة أن أفرادها هم دون غيرهم من البشر، موضع الرضا الرباني الخاص، وأنهم يحملون تفويضاً إلهياً لإخضاع العالم أو تطهيره.
​في العقيدة التوراتية، تتبلور هذه الفوقية في مفهوم “شعب الله المختار”. هذا الاختيار ليس أخلاقياً أو مشروطاً بالسلوك الإنساني القويم في أصله التوراتي، بل هو اختيار بيولوجي قائم على النقاء العرقي الصارم والدم المنساب من الآباء والأنبياء [7]. تحظر التوراة مصاهرة الشعوب الأخرى حظراً قاطعاً، مبررة ذلك بالحفاظ على “الزرع المقدس” من التلوث بالاختلاط مع الأغيار (الجوييم) [8]. هذا الفصل العنصري المرتكز على الجينات والنسل يمنح الذات التوراتية حصانة أخلاقية مطلقة تجعلها ترى بقية الأمم مجرد أدوات أو كائنات أدنى رتبة وُجدت لخدمة المشروع المقدس [9].
​بالمقابل، قامت داعش بعملية إسقاط واستبدال عبقرية من الناحية الأيديولوجية: لقد استبدلت “النقاء العرقي البيولوجي” بـ”النقاء العقدي المنهجي”. بالاعتماد على أدبيات الفتن والملاحم، وإحياء لقراءات مفهوم “الفرقة الناجية” و”الطائفة المنصورة” المستقاة من المأثور السلفي الذي تبناه ابن تيمية، نصّبت داعش نفسها قيّمة وحيدة على دين الله [10]. النقاء هنا يتطلب الخلو التام من أي “شرك سياسي” (كالديمقراطية أو القوانين الوضعية) أو “بدعة عقدية”. وكما يغلق اليهودي القديم دائرته العرقية، أغلق الداعشي دائرته العقدية؛ فمن لم يبايع خليفتهم ولم يتبنَ نسقهم الفكري فهو خارج خط الاصطفاء، وبالتالي هو هالك وضال. إنها ذات “الفوقية الروحية” التي تمنح الفرد شعوراً زائفاً بالقداسة، وتبيح له النظر إلى مليارات البشر كأنداد بلا قيمة، وكمجرد وقود لمعركته الكونية [11].
​ثالثاً: شريعة “التحريم” وفقه الدماء: لاهوت الإبادة كواجب تعبدي
​إن أخطر ما ينتجه هذا التزاوج بين سيكولوجية النقاء واحتكار الحقيقة هو شرعنة العنف الإبادي، وتحويل القتل من جناية يندى لها الجبين إلى “طقس عبادي” يُتقرب به إلى الله.
​في التوراة، يبرز مصطلح لاهوتي مرعب هو “التحريم” (بـالعبرية: חֵרֶם – خِرِم). يعني التحريم في سفر يشوع وسفر التثنية تكريس المدينة المغزوة بالكامل للرب عبر إبادتها إبادة تامة؛ فلا يجوز أخذ غنائم، ولا يجوز استبقاء أسرى. يمتد السيف ليشمل الرجال والنساء، الأطفال والرضع، وحتى الماشية والبهائم، ثم تُحرق المدينة بالنار لتصبح قاعاً صفصفاً [12]. نقرأ في سفر التثنية أمراً صريحاً: “وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيباً فلا تستبقِ منها نسمة ما” [13]. هذا العنف ليس أثراً جانبياً للحرب، بل هو جوهر العقيدة التأسيسية لتطهير الأرض المقدسة من الملوثات البشرية [14].
​وعلى الضفة المقابلة، صاغت الحركة الداعشية أيديولوجيا “التوحش والتمكين” ومفهوم “فقه الدماء”. بالاستناد الإقصائي لفتاوى “سيف الإسلام” ابن تيمية في التعامل مع التتار والفرق الباطنية، شرّع التنظيم ارتكاب أفظع المجازر كأدوات استراتيجية لبث الرعب والتمكين للدولة [15]. إن مشاهد حرق الأسرى، وقطع الرؤوس، والتمثيل بالجثث، لم تكن مجرد جرائم عشوائية، بل كانت طقوساً أيديولوجية مصورة ومبررة فقهياً عبر كتبهم الرسمية. بل إن التطابق يصل ذروته الحرفية مع التوراة في بعث أسواق النخاسة واسترقاق وسبي النساء والأطفال (كما حدث مع الإيزيديين والعلويين والدروز)، مبررين ذلك بإحياء السنن المهجورة وتطهير الأرض من المشركين [16]. إن “التحريم” التوراتي القديم بُعث حياً في “التوحش” الداعشي المعاصر؛ حيث الإله في كلا الخطابين يتغذى -حاشاه- على دماء المخالفين وصراخ الضحايا.
​رابعاً: الطوباوية الجغرافية والتاريخية: إسقاط الأسطورة على الواقع
​لا تكتمل هذه البنية المتطابقة إلا بوجود مسرح جغرافي مقدس ورؤية خلاصية لنهاية التاريخ، تلزم المؤمنين بالقتال لتجسيدها:
.١ ​الجيوبولتيك التوراتي (أرض الميعاد): تتأسس التوراتية على وعد إلهي قاطع بجغرافيا محددة (“من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات”) [17]. هذه الأرض ليست مكاناً للتعايش، بل هي ملكية حصرية للشعب المختار، تمنحه الحق الأخلاقي في طرد سكانها الأصليين وإبادتهم لأن وجودهم فوقها يُعد اغتصاباً للمقدس [18].
.٢ ​الجيوبولتيك الداعشي (أرض الخلافة وملحمة دابق): يرفض الفكر الداعشي الحدود الوطنية والسياسية الحديثة (سايكس بيكو)، ويطرح بدلاً منها جغرافيا “دولة الخلافة” التي يجب أن تتوسع لتشمل العالم بأسره. ويرتبط هذا التوسع برؤية أسطورية لنهاية التاريخ تعتمد على معركة “دابق” أو “الأعماق” الفاصلة ضد الروم [19]. في سبيل تحقيق هذه الجغرافيا الطوباوية، يُصبح العنف والتدمير وإسقاط الدول القائمة واجباً مقدساً لا يحتمل التأجيل [20].
​خاتمة: صرخة النهوض ومستقبل الوعي
​إن هذا التفكيك والتحليل البنيوي المعمق يضعنا أمام حقيقة صارخة نارية لا غبش فيها: إن الإرهاب والاستئصال ليس جينات متأصلة في عرق دون آخر، وليس حكراً على دين دون غيره، بل هو “نسق ذهني مغلق وعابر للأزمنة والثقافات”. حين يلتقي الداعشي المعاصر بالتوراتي القديم في آليات التكفير، وسيكولوجية النقاء، ولاهوت الإبادة، وجغرافيا الأسطورة، فإنهم يعلنون عن وحدة المنبع السيكولوجي والمعرفي للتطرف الإنساني.
​إن النهضة الحقيقية التي ننشدها اليوم لا يمكن أن تتحقق بمجرد المواجهات الأمنية أو المعالجات السطحية، بل تتطلب ثورة ثقافية تقتلع هذا النسق الإقصائي من جذوره. إننا بحاجة إلى هدم الفكر الذي يحول الدين من فضاء للهداية والرحمة الكونية إلى أداة لإنتاج الوحوش البشرية. يجب أن ننتصر للإنسان، للقيمة المطلقة للحياة، وللعقل الحر الذي يرى في الاختلاف ثراءً لا خطيئة. إنها دعوة متقدة لكل المفكرين والمصلحين لخوض معركة التنوير الكبرى، وتحرير المقدس من أيدي جلاديه، لتستعيد الإنسانية كرامتها وبهاء حضارتها.
​لائحة الهوامش والمراجع
​[1] أدونيس (علي أحمد سعيد)، الثابت والمتحول: بحث في الإتباع والإبداع عند العرب، ط 8 (بيروت: دار الساقي، 2001)، ج 1، ص 45-48.
[4] أبو عبد الله المهاجر، فقه الدماء، (منشورات مكتبة الهمة، طبعة إلكترونية متبناة من تنظيم داعش، د.ت)، ص 89-94.
[5] الكتاب المقدس (العهد القديم)، سفر التثنية، الإصحاح 7: 1-5.
[6] كارين أرمسترونغ، الله: رغبة البشرية في البحث عن المقصد، ترجمة: فادي الحمود، (بيروت: دار الهوى، 2011)، ص 112-115.
[7] فراس السواح، تاريخ أورشليم والبحث عن مملكة داود، (دمشق: دار علاء الدين، 2003)، ص 104-106.
[8] الكتاب المقدس، سفر عزرا، الإصحاح 9: 1-3.
[9] إسرائيل شاحاك، الديانة اليهودية وتاريخ اليهود: وطأة ثلاثة آلاف عام، ترجمة: حسن خضر، (بيروت: دار كنعان، 1995)، ص 65-70.
[10] رضوان السيد، أزمة الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، (بيروت: دار المدار الإسلامي، 2018)، ص 155-159.
[12] منير العكش، حق التضحية بالآخر: أمريكا والإبادات الجماعية، (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2002)، ص 41-45.
[15] أبو بكر ناجي، إدارة التوحش: أخطر مرحلة ستمر بها الأمة، (مركز الدراسات والبحوث الإسلامية، طبعة إلكترونية، د.ت)، ص 35-41.
[16] تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، مجلة دابق الإلكترونية، العدد 4 (مقال بعنوان: “إحياء العبودية قبل قيام الساعة”)، ص 14-17.
[20] وجيه قانصو، التطرف الديني: أبحاث في البنية المعرفية والسيكولوجية، (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2016)، ص 76-80.