شهدت الساحة الإعلامية والقانونية في لبنان جولة جديدة من السجال الحاد عقب المنشور الهجومي الذي خطّه الصحفي حسن عليق تحت وسم (#بيروت_ريفيو)، موجهاً سهام نقده اللامذع إلى قرار المدعي العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج. يتجاوز هذا النص حدود النقد الصحفي التقليدي لقرار قضائي عابر، ليتحول إلى وثيقة سياسية تحاول تفكيك خلفيات التعيينات القضائية في لبنان، وكيفية استخدام “النص القانوني” كأداة في الصراع الإقليمي والمحلي المحتدم حول سلاح المقاومة وحرية التعبير.
​يمكن مقاربة وتفكيك المقال عبر ثلاثة محاور رئيسية:
​أولاً: الهرطقة القانونية وتحوير المصطلحات (صناعة الجرم الافتراضي)
​يركز عليق في شقه التحليلي الأول على ما أسماه “طعوجة القانون” من قبل القاضي الحاج. تكمن خطورة القرار القضائي المستهدف -بحسب القراءة التحليلية للنص- في إحداث سابقة خطيرة يتم فيها “عسكرة التعبير الرقمي”.
​عندما يعتمد القاضي على رمزية مرئية (صورة حذاء عسكري “رنجر”) في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، ليعتبرها دليلاً على “انعكاس واقع السلاح المتفلت”، فإنه ينقل القضاء من حقل “الإثبات المادي والوقائع” إلى حقل “التأويل السيميائي والرمزي”. هذا التحول يمنح السلطة القضائية والبوليسية صلاحيات مطاطة غير محدودة، تُمكنها من تصنيف أي منشور أو رأي معارض كجريمة أمنية أو عمل عسكري، مما يشكل تهديداً مباشراً لِما تبقى من هوامش حرية التعبير في الفضاء الرقمي اللبناني.
​ينتقل التحليل في مقال عليق من المضمون السياسي إلى “شكل” الصياغة القضائية، معتبراً أن النص الذي وضعه المدعي العام التمييزي يفتقر إلى أبسط القواعد المهنية والأكاديمية المعتمدة في السلك القضائي:
​غياب الإسناد القانوني الموثق: يشير المقال بسخرية إلى إغفال القاضي لذكر رقم وتاريخ قرار مجلس الوزراء الذي استند إليه، وهو خطأ إجرائي فادح لا يتناسب مع موقع “الرجل الأقوى صلاحية في الجمهورية”.
​تبني لغة الإعلام والشارع: يعيب المقال على القاضي استخدام العبارات والمصطلحات الدارجة في البرامج التلفزيونية السجالية (مثل إطلاق لفظ “السلاح” ككناية عن سلاح حزب الله دون تحديد)، مما يُفقد النص القضائي رصانته وتجرده، ويحوله إلى ما يشبه “الدردشة الصالونية” المستعجلة التي تفتقد الضوابط الدقيقة.
​ثالثاً: “قضاء الوجبات السريعة” وأبعاد الصراع الإقليمي
​الشرارة الأكثر نارية في مقال عليق هي تلك التي تتناول البُعد السياسي والإقليمي للتعيينات القضائية. فالمقال لا يرى في القاضي أحمد رامي الحاج سلطة مستقلة، بل يضعه مباشرة في خانة “التبعية المطلقة” لجهة إقليمية ممثلة بـ (يزيد بن فرحان آل سعود)، مشيراً إلى أن التعيين جرى بقرار خارجي أُلبس ثوباً لبنانياً شرعياً عبر مجلس الوزراء.
​وفقاً لهذا التحليل، فإن القرار القضائي الأخير ليس سوى “رسالة اعتماد أمنية وسياسية” يرفعها القاضي إلى الجهة التي عيّنته. هي محاولة لإثبات الكفاءة والجدارة في المعركة المفتوحة ضد المقاومة؛ حيث يرى الكاتب أن القاضي أراد القول بوضوح: “إذا كنتُ قادراً على محاصرة وتجريم مجرد بوستر على فايسبوك، فلكم أن تتخيلوا حجم الخدمات التي يمكنني تقديمها في الملفات الاستراتيجية الأكبر”. ولهذا ختم مقابه بعبارة تهكمية حادة واصفاً المشهد بأنه استيراد للقضاء عبر خدمة “يزيد إكسبرس”.
يعكس مقال حسن عليق عمق الأزمة التي تعيشها مؤسسات الدولة في لبنان، وتحديداً الجسم القضائي الذي بات ساحة مكشوفة لتصفية الحسابات السياسية وتوازن القوى الإقليمي. من خلال لغته الهجومية الحادة، أراد الكاتب دق ناقوس الخطر حول تحول “النيابة العامة التمييزية” في عهدها الجديد إلى ذراع بوليسي يمارس الاستنسابية (عبر السماح بفيديوهات معينة مقابل تجريم منشورات أخرى)، محذراً من أن عهد القاضي الحاج قد يكون عنواناً لمرحلة طويلة من القمع الفكري والسياسي تحت غطاء “قانوني” هجين.
د. نبيلة عفيف غصن