لم تكن الدعوات المتصاعدة لتكفير المكوّن العلوي السوري وإخراجه من الإسلام مجرّد انفعالات عابرة أو توترات طائفية آنية، بل جاءت امتداداً لمسار طويل من الإقصاء الديني والسياسي، استُخدمت فيه فتاوى قديمة وخطابات مذهبية متشددة لتبرير العزل ونزع الشرعية عن جماعة سورية كاملة. وما يجري اليوم ليس استدعاءً عفوياً لهذا الإرث، بل إعادة توظيف واعية له ضمن سياق معاصر أشد خطراً وأوسع تأثيراً.
غير أن الخطورة الحقيقية لا تكمن في مضمون هذا الخطاب فحسب، بل في نتائجه المتراكمة على مستوى الوعي والسلوك الجمعي. فعندما يُقدَّم العلوي بصورة ممنهجة بوصفه «خارج الجماعة» أو «موضع شبهة دينية»، وحين تتحول لغة التحريض والتخوين إلى جزء من التداول اليومي، فإن المسألة تتجاوز حدود الخلاف العقائدي لتصبح عملية دفع نفسي واجتماعي نحو القطيعة والخوف الوجودي. هذه الآلية لا تسعى إلى إقناع الآخر، بل إلى انتزاع شعوره بالانتماء وتحويله من شريك في الوطن إلى غريب داخله.
ويزداد هذا المسار فتكاً حين لا يُواجَه بخطاب ديني ومجتمعي مضاد واضح وحاسم. فالصمت، في لحظات التوتر الحاد، لا يُقرأ حياداً، بل عجزاً عن حماية السلم الأهلي، أو تهاوناً يُسهم في تطبيع الإقصاء. وحين تغيب الإدانة الصريحة لخطابات استباحة الكرامة والدم، يتحول هذا الغياب إلى عنصر فاعل في تكريس الأزمة، ويمنح الخطاب المتطرف سلطة تمثيل لم يكتسبها بمنطقه، بل بصمت الآخرين.
ضمن هذا السياق تتكرر قاعدة تاريخية: كل جماعة تُدفَع إلى الشعور بأنها مرفوضة ومهددة، تبدأ بالبحث عن مظلات حماية بديلة. وهذا ليس خياراً أيديولوجياً، بل استجابة بشرية لضغط الخوف وانسداد الأفق الوطني. ومن هنا تجد القوى الخارجية مدخلها، فتقدّم نفسها كـ«ملاذ» في مواجهة داخلٍ يُنتج الإقصاء بدل الشراكة. وما يُطرح اليوم تحت عناوين عابرة للهوية الوطنية لا ينشأ في فراغ، بل يتغذى من مناخ التكفير والنبذ الداخلي. وقد أظهرت تجارب سابقة أن تراكم الخوف والعزلة كفيل بفتح مسارات لم تكن مطروحة، ليس بدافع الخيانة، بل بدافع البقاء.
ومع ذلك، فإن اختزال المكوّن السني السوري في هذا الخطاب الإقصائي خطأ تحليلي جسيم. فالغالبية الواسعة من السوريين السنة لا تتبنى هذا المنحى، بل تدرك مخاطره على وحدة المجتمع والدولة. بل إن أصواتاً سنية معارضة لهذا الخطاب تتعرض بدورها للضغط والتخوين. غير أن المعضلة تبقى: الاعتدال حين يلوذ بالصمت، يفسح المجال للتطرف كي يُعرّف المشهد ويمثّل الجميع.
من هنا تتحدد المسؤولية الأخلاقية والتاريخية بوضوح. فالمسألة لم تعد خلافاً بين طوائف، بل اختباراً لفكرة الوطن ذاتها. إن السكوت على خطاب يُقصي العلويين أو يبرر تهديد كرامتهم لا ينعكس على هذه الفئة وحدها، بل يُسهم في إعادة تشكيل بيئة وطنية هشة قابلة للتفكك. ومع استمرار هذا المناخ، لن يبقى الإحساس بالخطر محصوراً في جماعة دون أخرى.
إن دفع أي مكوّن سوري إلى الشعور بأنه غريب أو مرفوض داخل وطنه هو تفكيك تدريجي للشراكة الوطنية. وإذا ترسخ هذا الشعور واتسع، فإن البحث عن الحماية خارج الإطار الوطني لن يبقى سلوكاً فردياً، بل قد يتحول إلى اتجاه جماعي تفرضه ضرورات البقاء.
لهذا، فإن الرهان الحقيقي اليوم لا يتعلق بإثبات تفوق خطاب على آخر، بل بقدرة المجتمع، وخصوصاً داخل البيئة السنية بحكم ثقلها الديموغرافي والديني، على إنتاج موقف واضح يرفض الإقصاء ويعيد ترسيم حدود المقبول أخلاقياً ودينياً. فاستعادة التوازن لا تتم بالشعارات، بل بكسر الصمت، ومواجهة خطاب التحريض، وتثبيت مبدأ أن كرامة السوري غير قابلة للتجزئة.
المسار الحالي، إن تُرك دون مراجعة، يقود إلى نتيجة واحدة: إضعاف الداخل إلى الحد الذي يجعل أي «حل خارجي» يبدو مقبولاً أو حتى مرغوباً. وعند تلك النقطة، لن يعود السؤال من ربح ومن خسر، بل كيف خسر الجميع معاً.
إن المعركة الجارية اليوم ليست بين طوائف، بل بين منطقين: منطق يبني وطناً يتسع للجميع، ومنطق يدفع مكوّناته إلى البحث عن خلاص منفصل. وما لم يُحسم هذا الخيار بوعي ومسؤولية، فقد يأتي وقت يصبح فيه الحديث عن الندم ترفاً متأخراً، بعد أن تكون سوريا قد أضاعت نفسها بأيدي أبنائها.

عضو الهيئة التأسيسية لحزب التحرر الوطني #سوريا
ورئيس تجمع أفق سوري جديد
عمران الخطيب