حين كانت الحرب تُحضَّر في العلن… من المسؤول فعلًا؟

فاتنة علي،لبنان/سوريا الطبيعية

“الحروب لا تبدأ يوم إطلاق الرصاصة الأولى، بل يوم يبدأ الإعداد لها بصمت، وجمع المعلومات، ورسم الخرائط، وتهيئة العقول لمعركة قادمة.”

منذ بداية الحرب، وما زال اللوم قائمًا على المقاومة في لبنان. السؤال يتكرر في كل مجلس ومنصة: لماذا دخلتم الإسناد؟ ولماذا أدخلتم البلاد في هذه الحرب؟

لكن البعض لم يكتفِ بالتساؤل، بل ذهب أبعد من ذلك، ليقول إن “إسرائيل” كانت حمامة سلام، لم تمسّ لبنان بسوء، ولم تبدأ حربًا أصلًا، بل كانت منكفئة، وأن المقاومة هي من “أيقظها” ودفعها إلى ما فعلته، وبالتالي فهي وحدها تتحمل المسؤولية تجاه ما حصل.
هذا الخطاب، بالنسبة لكثيرين، ليس سوى نتيجة جهل بالواقع، أو حقد سياسي، أو قراءة سطحية للأحداث. أما المتابع الحقيقي لما جرى بدقة، فيدرك أن هذه الرواية ليست إلا افتراءً متعمدًا، وسياسة ممنهجة تقوم على تحميل الضحية مسؤولية العدوان، وتبرئة المعتدي من كل ما ارتكبه ويخطط له.
فهل يعلم مروّجو هذه السردية أن الكيان، ومنذ انتهاء حرب تموز 2006، لم يتوقف يومًا عن خرق الأجواء اللبنانية؟

هل يعلمون أنه واصل زرع العملاء، وجمع البيانات، والسيطرة على ملفات الاتصالات، وبناء مخزون استخباراتي ضخم لمخططات مستقبلية؟

وهل قرأ أحدهم عن المناورات العسكرية الكبرى التي أجراها العدو عام 2022 تحت اسم “عربات النار”؟

هذا الاسم، المستوحى من رموزهم وعقائدهم، لم يكن مجرد عنوان عسكري عابر، بل حمل أبعادًا دينية ونفسية وتاريخية، ورسائل واضحة للداخل والخارج. وكانت تلك المناورة الأولى بهذا الحجم منذ سنوات، بمشاركة القوات البرية والبحرية والجوية، ووحدات السايبر، وأجهزة الاستخبارات، إضافة إلى قوات الاحتياط والجنود الاحتياطيين.

المناورة حاكت، بالدرجة الأولى، واقع الجنوب اللبناني.

أما السيناريو فكان واضحًا وصريحًا: عمليات عسكرية عميقة داخل الجنوب، قصف مكثف لمخازن السلاح، استهداف منصات الصواريخ، تدمير الأنفاق، وضرب مراكز الاتصالات.

هل انتبهتم؟
نعم، تفجير أجهزة “البيجر” لاحقًا بدا وكأنه التطبيق العملي لما جرى التدريب عليه مسبقًا، وكأن السيناريو كان مرسومًا بعناية منذ سنوات.

وكانت فرضيات جيش الاحتلال تقوم على احتمال توسّع الحرب لتشمل جبهات أخرى، مثل غزة، وربما سوريا، مع إمكانية مواجهة غير مباشرة مع إيران. لذلك ركّز التدريب على مواجهة قصف صاروخي واسع للعمق الإسرائيلي، ومحاولات تسلل لقوة الرضوان إلى شمال فلسطين، إضافة إلى استهداف البنى التحتية والمراكز الحيوية، ثم الانتقال إلى القتال داخل الأراضي اللبنانية نفسها.

أما المناورات البرية، فقد أُجريت تحديدًا في قبرص، لسببين أساسيين:
الأول، الابتعاد عن أعين المقاومة اللبنانية.

والثاني، لأن طبيعة التضاريس القبرصية تشبه إلى حدٍّ ما تضاريس الجنوب اللبناني.
الهدف كان واضحًا: تقليل مدة الحرب إلى أقصى حد ممكن.

فالكيان كان يدرك أن أي حرب مقبلة يجب أن تكون أسرع، وأكثر تدميرًا، وأكثر حسمًا من حرب 2006. وكان التصور يقوم على تنفيذ ضربة افتتاحية كبرى، تشمل شلّ الاتصالات وتفجير البنية التقنية، يليها دخول سريع إلى الأراضي اللبنانية، ثم السيطرة على مناطق إطلاق الصواريخ.

وهنا يمكن فهم أسباب الاستهداف المتكرر لبعض القرى الحدودية لاحقًا.
ومن بين ما تضمنته المحاكاة أيضًا: استخدام الدبابات، والمدفعية، ووحدات المشاة، إلى جانب عمليات إنزال لقوات الكوماندوس، مع تنسيق مباشر بين الطائرات الحربية والطائرات المسيّرة.
ألا يذكّر ذلك بما جرى في النبي شيت؟
وقد شاركت في هذه المناورات ناقلات الجنود المدرعة، ودبابات “ميركافا”، وطائرات F-35 وF-15 وF-16، إضافة إلى تدريبات مكثفة على الحرب الإلكترونية، والتزوّد بالوقود جوًا، والقصف الدقيق، واستخدام منظومات دفاعية مثل “القبة الحديدية” و”مقلاع داوود” للتعامل مع وابل صاروخي واسع.
رئيس الأركان الإسرائيلي آنذاك، أفيف كوخافي، تحدث بوضوح عن حاجة الجيش إلى “الانتقال من مفهوم الدفاع إلى سرعة الهجوم”، وعن “الفتك السريع والدقيق”، بهدف تجنب تكرار إخفاقات حرب 2006، التي اعترفوا فيها ببطء التقدم البري، وضعف التنسيق، واستمرار إطلاق الصواريخ حتى اللحظات الأخيرة من المعركة.

ولهذا ركزت المناورة على سيناريو حرب طويلة ومتعددة الساحات، حيث كان كل شيء في حالة جهوزية عالية لفرض حسم سريع.

في المقابل، كان حرس الحدود (المقاومة) من الجانب اللبناني يراقب كل تلك المناورات بهدوء ودقة.

ومن هنا يمكن فهم نقطة مفصلية:
الكيان، رغم كل استعداداته، تفاجأ في السابع من أكتوبر بأن الهجوم جاء من غزة، لا من جنوب لبنان. ومنذ اللحظات الأولى، انتقل من عقلية الهجوم إلى حالة دفاع مرتبكة، ما خلط حساباته بالكامل، وحرمه من فرض توقيت الحرب، التوقيت نصف النصر.

فهل بات واضحًا الآن لماذا امتد عدد الشهداء من غزة إلى لبنان وإيران؟

ولماذا كان الضغط الهائل على سوريا؟

ولماذا سقطت؟

ولماذا جرى استدعاء الأمريكي وجرّه إلى مواجهة مباشرة مع إيران؟
المقاومة، وفق هذه القراءة، أعادت خلط الأوراق، وأربكت كيانًا كان مستعدًا بالكامل، ولم يكن ينقصه سوى إشارة البدء.

صحيح أنه نجح في التدمير، ونجح في سفك الدماء، وارتكب المجازر من غزة إلى الجنوب، لكن حلم السيطرة الكاملة لم يتحقق.

لذلك، يبدو مستفزًا لكثيرين أن يستمر البعض حتى اليوم في ترداد أن “إسرائيل” لا تعتدي، وأنها كانت حملًا وديعًا، وأن المقاومة هي من حوّلها إلى ذئب “مضطر للدفاع عن نفسه”.

هذه ليست سوى قراءة للأحداث مدعومة بسلسلة وقائع ومؤشرات ومناورات عسكرية معلنة يمكن لأي شخص العودة إليها والبحث في تفاصيلها، بمجرد كتابة اسم المناورة وتاريخها.
لكن المشكلة،أن أمة “اقرأ” لم تعد تقرأ، ونسيت أنها تواجه كيانًا لا يتوقف عن إعلان أطماعه التوسعية، ولا يخجل من التفاخر بها، حتى عبر رفع خرائط “إسرائيل الكبرى” في الأمم المتحدة، في رسائل سياسية لا تحتمل كثيرًا من التأويل.

في الحروب، لا تكفي العناوين السريعة ولا الروايات الجاهزة لفهم ما يجري. فخلف كل مواجهة سنوات من التخطيط والتجهيز والتراكمات السياسية والعسكرية. ومن أراد أن يحكم بإنصاف، عليه أن يقرأ ما قبل الانفجار، لا أن يكتفي بالنظر إلى لحظة الانفجار نفسها.