لم تكن مجرد غارات جوية أو قصف مدفعي عابر؛ ما شهدته القرى الحدودية اللبنانية مؤخراً كان عملية “إبادة عمرانية” ممنهجة، تهدف إلى محو التاريخ من الجغرافيا. من كفركلا التي عانقت السماء صموداً، إلى عيتا الشعب وميس الجبل وطير حرفا، تحولت الحواضر النابضة بالحياة إلى تلال من الرماد المسموم، في مشهد يعيد صياغة الحدود بالديناميت والحقد.
أهداف العدوان: ما وراء الغبار
خلف دخان الانفجارات، تكمن استراتيجية “الأرض المحروقة” التي يتبعها الاحتلال، والتي تهدف إلى:
هندسة جغرافية للموت: فرض “منطقة عازلة” بعمق عدة كيلومترات، خالية تماماً من أي مظهر من مظاهر الحياة، لضمان أمن مستوطناته على حساب سحق القرى اللبنانية.
كي الوعي والتهجير القسري: محاولة قطع الرابط الوجداني والمادي للسكان بأرضهم عبر تدمير المنازل والمساجد والمقابر، لإيصال رسالة مفادها أن ثمن الصمود هو “المحو الشامل”.
الضغط بالنار: استخدام ورقة الدمار الشامل والنزوح المليوني كأداة ضغط سياسية لانتزاع تنازلات أمنية عجز عن تحقيقها في الميدان.
لقد طال الدمار الممنهج كافة مفاصل الحياة، محولاً الجنوب إلى ساحة من الركام الذي يحكي قصص الفقد:
على المستوى العمراني، شهدت القرى كارثة سكنية غير مسبوقة؛ حيث تعرض أكثر من 100 ألف منزل للتدمير الكلي أو الجزئي. لم تكن الاستهدافات عشوائية، بل كانت “هندسة للخراب” شملت مسح أحياء كاملة وتسويتها بالأرض، كما حدث في مأساة بلدتي “يارين” و”الضهيرة” اللتين سويتا بالتراب.
ولم تسلم البنية التحتية من هذا الحقد، إذ شُلّت الحياة بخروج عشرات المستشفيات عن الخدمة، وتدمير ما يزيد عن 56 مدرسة كلياً، ناهيك عن التدمير المتعمد لشبكات المياه والكهرباء لجعل العودة “مستحيلة” تقنياً. أما الأرض والزراعة، فقد طالها “إرهاب بيئي” باستخدام الفوسفور الأبيض الذي أحرق آلاف الهكتارات من الزيتون المعمر، مسمماً التربة وقاطعاً أرزاق آلاف العائلات في محاولة لاغتيال مستقبل الأرض.
هذا الإجرام الممنهج أدى إلى أكبر موجة نزوح في تاريخ لبنان، حيث هُجّر أكثر من 1.2 مليون لبناني، يواجه الكثير منهم خطر التشريد الدائم بعد أن باتت قراهم تسمى “القرى الممسوحة”.
المعجزة الميدانية: أشباحٌ تخرج من تحت الحطام
بينما كان قادة الكيان يحتفلون بمشاهد التفجير المتسلسل للمباني، كانت الأرض تحت أقدام جنودهم تغلي. هنا، وعلى تخوم الركام، تجلت الأسطورة:
الخروج من العدم: من تحت أنقاض البيوت المدمّرة، ومن أنفاقٍ ظن العدو أنه ردمها، يخرج المقاومون كالأشباح. بملابس مموهة بغبار الأرض، يكمنون للآليات “المحصنة”، محولين “الميركافا” إلى توابيت من حديد بضربات من المسافة صفر.
حرب اللحم الحي: باللحم الحي والإرادة الصلبة، يواجه المقاتل اللبناني أعتى التكنولوجيا. وبينما تظن غرف العمليات الإسرائيلية أن المنطقة باتت “نظيفة”، تخرج الصواريخ المضادة للدروع من وسط الردم لتصطاد جنود النخبة في مكامنهم.
سماءٌ لا تهدأ: لم يتوقف نبض العمليات للحظة؛ المسيرات الانتحارية تجوب الأجواء كطيور أبابيل، ورشقات الصواريخ المكثفة تنطلق من قلب القرى “الممسوحة” لتضرب عمق الكيان، في رسالة نار واضحة: “البيت دُمّر، لكنّ الرامي لا يزال هنا”.
صمودٌ يورق من تحت الرماد
رغم فظاعة المشهد، إلا أن النتيجة الميدانية صدمت العالم؛ فالقرى التي أُريد لها أن تكون “منطقة عازلة” تحولت إلى “مصيدة للموت”.
لقد أثبتت التجربة أن إسرائيل قد تمتلك التكنولوجيا لمسح حيّ عن الخارطة، لكنها لا تملك القدرة على منع “شبح” يخرج من تحت أنقاض ذلك الحي ليطلق صاروخه ويختفي في حضن الأرض. إن معركة إعادة الإعمار اليوم ليست مجرد بناء جدران، بل هي استكمال لملحمة الصمود التي بدأت بصرخة مقاتل من بين الركام: “هذه أرضنا، ومن الرماد سنخرج لكم في كل حين”..
“لقد فُجّرت البيوت.. لكن الجذور غائرة في التراب، ومن الرماد سيبزغ الفجر مجدداً.”
د. نبيلة عفيف غصن
