لم يعد ممكناً قراءة ما يجري في لبنان كأحداثٍ متفرقة أو مواقف معزولة. الصورة باتت أوضح من أن تُخفى: تصعيد سياسي، توتير مذهبي، إقحام للمرجعيات، وضغوط خارجية تتقاطع فوق أرضٍ هشة. هنا يفرض السؤال نفسه بقوة: هل نحن أمام فوضى عفوية، أم أمام مسارٍ يدفع البلاد، عن قصدٍ أو عن عمى، نحو فتنةٍ داخلية تُدار على إيقاع المصالح؟
المطلوب قراءة المؤشرات كما هي: كلما ضاقت الخيارات السياسية، ارتفع منسوب اللعب على التناقضات الداخلية. وكلما تعثّرت التسويات الإقليمية، يصبح لبنان ساحةً مفتوحة لتصفية الحسابات.
الخارج والداخل: حين تتحوّل البلاد إلى ساحة
لبنان، بحكم موقعه وتكوينه، لم يكن يوماً خارج معادلات النفوذ. لكن الخطير اليوم هو تزاوج الضغط الخارجي مع قابلية داخلية للاشتعال.
القوى الدولية والإقليمية لا تحتاج إلى إعلان نياتها كي تؤثّر؛ يكفي أن تُمارس ضغوطاً، أو تدعم مسارات معينة، حتى يتحوّل الداخل إلى مرآة لصراعات الخارج.
غير أن المسؤولية لا تقع على الخارج وحده. فحين تستجيب قوى داخلية لهذه الضغوط، أو تبني خياراتها على توازنات خارجية، فإنها تُسهم، بوعي أو من دونه، في تعميق الانقسام وتفكيك المجال الوطني المشترك.
ما نشهده ليس مجرد اختلاف سياسي، بل تصاعد في المواقف المتطرفة، وتراجع في المساحات المشتركة. كل طرف يرفع سقفه، وكل خطاب يذهب أبعد في حشد جمهوره، حتى يصبح الشارع نفسه ساحة توتر دائم.
السؤال يُطرح بإلحاح، لكن الجواب ليس بسيطاً. فالحروب الأهلية نادراً ما تُعلن كهدف مباشر. الأخطر هو أن تتشابك مصالح وسلوكيات مختلفة لتقود إلى النتيجة نفسها.
قد لا يكون هناك من يرفع شعار “الحرب”، لكن هناك من يرفع منسوب التوتر، ومن يستثمر في الانقسام، ومن يراهن على كسر التوازنات.
وهكذا، لا تُصنع الحرب بقرار واحد، بل بسلسلة قرارات وخطابات تدفع المجتمع تدريجياً إلى الحافة.
الفتنة كأداة: عندما يصبح الانقسام وسيلة
في لحظات الاختناق السياسي، تتحول الفتنة إلى أداة بيد من يعجز عن فرض خياراته بوسائل أخرى. فبدلاً من التفاهم، يتم تغذية الانقسام لفرض أمر واقع.
وهنا تكمن الخطورة: عندما يصبح الانقسام نفسه وسيلة ضغط، لا يعود أحد قادراً على ضبطه. لأن النار التي تُشعل لتحقيق مكسب، قد تخرج عن السيطرة وتحرق الجميع.
لبنان لا يفتقر إلى التحذيرات، بل إلى إرادة جماعية لكبح الانحدار. المطلوب ليس إنكار الخلافات، بل منع تحويلها إلى صراع وجودي.
وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا عبر إعادة الاعتبار للمجال الوطني المشترك، حيث تُناقش القضايا الكبرى كخيارات سياسية، لا كمعارك كسر عظم.
أخطر من المخطط… قابلية التنفيذ
قد لا تكون هناك غرفة عمليات تُدير حرباً أهلية، لكن الأخطر هو أن الظروف كلها تُعاد صياغتها بحيث تجعل الحرب ممكنة. وهذا بحد ذاته تهديد لا يقل خطورة عن أي مخطط.
إن الفتنة لا تحتاج إلى من يعلنها، بل إلى من يسمح لها أن تنمو.
وحين تنمو… لا تسأل أحداً عن نواياه.
في هذه اللحظة، لا يكفي أن نسأل: من يريد الحرب؟
بل يجب أن نسأل بجرأة أكبر: من يوقف هذا المسار قبل أن يصبح قدراً؟
د.نبيلة عفيف غصن
