جمهورية الصهاريج: تفكيك نظام التشغيل الموازي في سورية الطبيعية دراسة في خصخصة السيادة وإعادة هندسة النفوذ الطاقوي

د.نبيلة عفيف غصن

مقدمة: لحظة الانكشاف الكبير
ما نشهده اليوم في سوريا الشام والعراق ليس مجرد امتداد لصراعات ما بعد الحرب، ولا مجرد تنافس تقليدي على الموارد، بل هو تحوّل بنيوي عميق في طبيعة السلطة نفسها. الدولة لم تعد هي الفاعل الوحيد في الجغرافيا السياسية، بل أصبحت واحدة من طبقات متعددة داخل منظومة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الشركات الخاصة مع الأجهزة الأمنية، ومراكز الفكر مع شبكات التهريب، واللوبيات السياسية مع الفصائل المحلية.
في هذا السياق، لم يعد النفط مجرد مورد اقتصادي، بل أصبح بنية حكم موازية. إنه الأداة التي يُعاد من خلالها رسم النفوذ، وتحديد من يملك القرار على الأرض ومن يُدفع إلى هامشها. الأخطر من ذلك أن هذه العملية لا تتم عبر الاحتلال التقليدي، بل عبر خصخصة السيادة نفسها، بحيث تتحول الدولة إلى واجهة شكلية، بينما تنتقل الوظائف الحقيقية إلى شبكة شركات ووسطاء وأجهزة أمنية.
هذا المقال يحاول تفكيك نظام تشغيل فعلي يعمل فوق الدول، ويعيد تعريف معنى السيادة، والحدود، والاقتصاد، وحتى الهوية.
الفصل الأول: عقيدة الاستدامة الذاتية للاحتلال
في قلب هذه المنظومة، تظهر فكرة مركزية يمكن تسميتها بـ عقيدة التمويل الذاتي للوجود العسكري. هذه العقيدة تقوم على تحويل العمليات العسكرية من عبء مالي على الدولة المركزية إلى مشروع اقتصادي قائم بذاته.
تقوم شركات مثل HKN Energy وDelta Crescent Energy بدور محوري في هذا التحول. فهي تعمل في مناطق خارجة عن السيطرة المركزية الفعلية، حيث يتم استخراج النفط ثم نقله عبر مسارات غير رسمية أو شبه رسمية، ليتم لاحقاً دمجه في منظومات تصدير إقليمية، خصوصاً في كردستان العراق.
في هذه العملية، يتم ما يمكن تسميته بـ “إعادة ترميز المنشأ”: النفط الذي يُستخرج من أراضٍ تخضع لنزاعات سيادية، يُعاد تصنيفه كنفط “إقليمي” أو “مختلط”، بحيث يفقد هويته السياسية الأصلية، ويصبح قابلاً للتداول في الأسواق العالمية.
هذا لا يعني مجرد تجاوز قانوني، بل يعني عملياً تفكيك مفهوم السيادة على الموارد. فالمورد لا يعود ملكاً للدولة التي يوجد في أرضها، بل يصبح جزءاً من شبكة تصنيف مالية–قانونية عالمية تتحكم بها شركات ووسطاء ومؤسسات تنظيمية خارجية [1].
في هذا السياق، تتحول القواعد العسكرية إلى ما يشبه “مراكز حماية استثمارية”، ويصبح وجود القوات مرتبطاً ليس فقط باعتبارات استراتيجية، بل أيضاً بحماية تدفق اقتصادي قائم.
الفصل الثاني: عسكرة اللوجستيات وإدارة المجال الرمادي
إلى جانب الشركات، يلعب الفاعلون الأمنيون الخاصون دوراً لا يقل أهمية. شخصيات مثل جيمس ريس تمثل نموذجاً لتحول الضباط السابقين إلى مديري عمليات لوجستية في مناطق النزاع.
في هذا النموذج، لا تُدار الأرض كمساحة سيادية، بل كمجال حركة: من يتحكم بالطرق، والمعابر، وخطوط النقل، يتحكم فعلياً بالاقتصاد والسياسة معاً.
الممرات الحدودية بين سوريا والعراق ليست مجرد نقاط عبور، بل هي شرايين اقتصاد غير رسمي. هذه الشرايين تعمل خارج الرقابة المركزية، ويتم تأمينها عبر شبكات محلية تشمل فصائل مسلحة وعشائر ووسطاء اقتصاديين.
هنا يظهر تحول جوهري: العشيرة لم تعد بنية اجتماعية تقليدية، بل أصبحت وحدة أمنية اقتصادية، يتم دمجها في المنظومة عبر الحوافز المالية، بحيث تتحول من كيان اجتماعي إلى طرف في سلسلة الإمداد [2].
هذا التحول يؤدي إلى إنتاج نوع جديد من الولاء، لا يقوم على الانتماء الوطني، بل على الارتباط بالمورد الاقتصادي.
الفصل الثالث: إنتاج الشرعية — من القوة إلى الخطاب
لا يمكن لأي نظام نفوذ أن يستمر بالقوة وحدها. لذلك، يتم إنتاج طبقة من الخطاب السياسي والقانوني تهدف إلى شرعنة الواقع القائم.
في هذا السياق، تلعب مؤسسات فكرية مثل AFPI دوراً مركزياً. فهي لا تعمل كمراكز بحث محايدة، بل كأدوات لإعادة صياغة المفاهيم السياسية بطريقة تخدم البنية الاقتصادية–الأمنية القائمة.
يتم تقديم السيطرة على الموارد على أنها ضرورة أمن قومي، وليس كعملية إعادة توزيع قسرية للثروة. هذا التحول الخطابي يسمح بتحويل الفعل الاقتصادي إلى ضرورة استراتيجية، ويجعل الاعتراض عليه يبدو وكأنه تهديد للأمن العالمي.
الفصل الرابع: الوسطاء — البنية الخفية للنظام
بين القوة العسكرية والخطاب السياسي، تعمل طبقة ثالثة أكثر أهمية: الوسطاء الاقتصاديون.
شخصيات مثل مرتضى لاخاني تمثل نموذجاً لما يمكن تسميته بـ “المهندس المالي للمجال الرمادي”. دوره لا يقتصر على نقل النفط، بل يمتد إلى إعادة إدخاله في النظام المالي العالمي عبر شبكات مصرفية وشركات واجهة.
هذه العمليات لا تخلق ثروة جديدة، بل تعيد توزيع الثروة الناتجة عن استخراج الموارد في بيئة غير مستقرة سيادياً.
في موازاة ذلك، تلعب كيانات مثل مجموعة الهلال دوراً حاسماً في التحكم بالبنية التحتية للطاقة، خصوصاً الغاز. السيطرة على حقل مثل خورمور تعني عملياً التحكم في جزء من الشبكة الكهربائية لدولة كاملة، وهو ما يخلق حالة ارتهان طاقوي بنيوي [4].
الفصل الخامس: الدولة بين السيادة الشكلية والسيادة الفعلية
في هذا السياق، تصبح الدولة المركزية كياناً ذا سيادة قانونية، لكنها فاقدة للسيطرة الفعلية على الموارد الحيوية.
يمكن وصف هذا الوضع بأنه انقسام بين السيادة الورقية والسيادة التشغيلية:
الدولة تملك الاعتراف الدولي
لكن لا تملك التحكم بالمورد
ولا بالطرق
ولا بالقرار الاقتصادي الفعلي
هذا الانقسام هو جوهر ما يسمى بـ “الدولة الموازية
الفصل السادس: هندسة الهوية — من المواطن إلى التابع الريعي
أحد أخطر آثار هذه المنظومة هو إعادة تشكيل الهوية الاجتماعية.
عندما يصبح الدخل مرتبطاً بوجود شركة أو فصيل أو وسيط، يتحول المواطن إلى تابع اقتصادي. هنا لا يعود الانتماء للدولة هو المحدد الأساسي، بل يصبح الانتماء لمن يملك القدرة على الدفع.
تتكون بذلك هوية ريعية مناطقية، حيث تدافع المجتمعات عن استمرار النظام الذي يضمن تدفق الموارد، حتى لو كان ذلك على حساب الدولة المركزية
الفصل السابع: هشاشة النموذج — ما بعد النفط
رغم قوة هذا النظام، إلا أنه يحمل في داخله بذور انهياره.
فهو يعتمد على:
استمرارية الطلب العالمي
واستقرار الأسواق
واستمرار الحماية السياسية
أي خلل في هذه العناصر يؤدي إلى انهيار المنظومة بسرعة، لأن البنية المحلية ليست إنتاجية، بل توزيعية فقط.
عند توقف التدفق، لا يبقى سوى فراغ اقتصادي واجتماعي، يتحول بسرعة إلى صراع على الموارد المتبقية
الفصل الثامن: نحو وعي سيادي جديد
في مواجهة هذا النظام، يتشكل تدريجياً وعي جديد يدرك أن المشكلة ليست في الأفراد، بل في البنية.
هذا الوعي يقوم على فهم أن:
النفط ليس مجرد مورد
وأن استعادته تعني استعادة الدولة نفسها
هذا التحول من الوعي السياسي التقليدي إلى وعي سيادي تقني هو الشرط الأساسي لأي تغيير حقيقي
الخاتمة: المعركة على تعريف الدولة
في النهاية، ليست المعركة بين دول وشركات فقط، بل بين نموذجين:
نموذج يرى الدولة كمالك للموارد
ونموذج يرى الدولة كمنصة تشغيل مؤقتة
إن ما يسمى بـ “جمهورية الصهاريج” ليس استعارة، بل توصيف لواقع تتقدم فيه الشبكات الاقتصادية على البنى السياسية، وتتحول فيه الجغرافيا إلى مجرد مساحة تشغيل.المعركة الحقيقية ليست على النفط، بل على السؤال التالي: من يملك الحق في تعريف السيادة؟
الهوامش
[1] Global Energy Monitor – Shadow Energy Networks Report (2024)
[2] Middle East Institute – Tribal Economies in Conflict Zones (2025)
[3] AFPI Policy Papers – Energy Security Doctrine (2024)
[4] Iraq Energy Institute – Khor Mor Strategic Dependency (2024)
[5] Financial Times Investigations – Energy Middlemen Networks (2023)
[6] U.S. Treasury Reports – Waivers and Sanctions Systems (2024)
[7] Jane’s Intelligence Review – Grey Zone Logistics (2025)
[8] World Bank – Iraq Economic Monitor (2024)
المراجع
تقارير عن شركة Delta Crescent Energy وعملها في شمال شرق سوريا.
ملفات الكونغرس الأمريكي حول العقوبات والاستثناءات النفطية.
دراسات حول دور AFPI في السياسات الأمريكية.
تقارير الطاقة حول حقل خورمور وإمدادات الغاز للعراق.
أبحاث عن السوق السوداء النفطية وشبكات مارك ريتش.
دراسات عن “الاقتصاد الرمادي” في مناطق النزاع.
تقارير عن علاقة النفط بالهويات المحلية في مناطق النزاع.