د. كلود عطية

في زمنٍ تتكاثف فيه الأزمات حتى تكاد تُصبح قدراً، يقف لبنان على حافة تعريفٍ جديد لذاته: أهو ساحةُ صراعاتٍ تُدار من الخارج، أم مجتمعٌ حيّ قادر على إعادة إنتاج مصيره؟ بين هدير الحرب مع العدو الإسرائيلي والانهيار الاقتصادي وتفكك البنى الاجتماعية، تتكشف حقيقةٌ أكثر حدّة: أنّ الخطر لا يكمن فقط في الخارج، بل في عجز الداخل عن إنتاج رؤيةٍ جامعة تصون الكرامة وتبني المستقبل.
في قلب هذا المشهد، تبرز المقاومة لا كخيارٍ ظرفي، بل كضرورةٍ وجودية دفاعاً عن كرامة لبنان وسيادته. غير أنّ هذه المقاومة، لكي تبلغ غايتها التاريخية، لا يمكن أن تُترك وحيدة في الميدان، ولا أن تُطعن في ظهرها تحت ذرائع الانقسام أو الحسابات الضيقة. إنّ معادلة الجيش والشعب والمقاومة ليست شعاراً عابراً، بل صيغةُ توازنٍ وطني تُحصّن البلاد: جيشٌ يمتلك القدرة، شعبٌ يحتضن القضية، ومقاومةٌ تردع العدوان.
لكن القوة، في معناها الأعمق، لا تُختزل بالبندقية وحدها، بل تُستكمل ببناء دولةٍ عادلة واقتصادٍ منتج ومجتمعٍ متماسك. فالمقاومة التي لا تتكامل مع مشروع نهوضٍ داخلي تُستنزف، كما أنّ الدولة التي تتخلى عن عناصر قوّتها تفقد سيادتها.
من هنا، يصبح الرهان على وعيٍ قومي اجتماعي يعيد ترتيب الأولويات: حماية الوطن لا تكون بالانقسام، بل بوحدة الإرادة؛ ولا بالشعارات، بل بمشروعٍ متكامل يُعيد وصل الفكر بالفعل، والتضحيات بالنتائج. عندها فقط، يتحوّل الصمود إلى نهضة، ويستعيد لبنان معناه كقضيةٍ تستحق الحياة…