إمبراطورية “السلام الاقتصادي” أم إعادة هندسة الجنوب؟ قراءة تحليلية معمّقة في مشروع توم براك ودور سيمون كرم في مفاوضات 2026
د. نبيلة عفيف غصن
مقدمة: حين يُعاد تعريف الصراع بلغة الأسواق
في لحظات التحول التاريخي الكبرى، لا تأتي المشاريع على شكل مبادرات بريئة، بل كخرائط طريق لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية بأدوات جديدة. ما يُطرح اليوم تحت عنوان “مشروع المنطقة الاقتصادية” في جنوب لبنان ليس مجرد خطة إنمائية، بل محاولة لإعادة تعريف الصراع نفسه: من صراع سيادي–وجودي إلى معادلة تكلفة–ربح، ومن معادلة القوة إلى معادلة السوق.
لقد تبلورت ملامح “مشروع المنطقة الاقتصادية” الذي طرحه توم براك (المبعوث الأمريكي والمستثمر العقاري المعروف) خلال جولاته الأخيرة في أوائل عام 2026، وهو مشروع يرتكز على فكرة “السلام الاقتصادي” كمدخل للاستقرار الأمني. هذه الفكرة، التي تبدو للوهلة الأولى براغماتية، تحمل في طياتها تحوّلاً عميقاً في فلسفة إدارة النزاعات، حيث يصبح الازدهار بديلاً عن الردع، والاستثمار بديلاً عن السيادة الصلبة.
لكن هل يمكن حقاً تحويل منطقة مثل جنوب لبنان، المثقلة بالتاريخ والصراع والهوية، إلى “سيليكون فالي الشرق”؟ أم أن هذا الطرح يخفي خلفه مشروعاً أكثر تعقيداً لإعادة هندسة التوازنات السياسية والاجتماعية؟
المفهوم والهدف الرئيسي – من ساحة مواجهة إلى منصة استثمار
الفكرة الجوهرية تقوم على ربط الاستقرار الأمني بمصالح مادية ملموسة لسكان الجنوب، بحيث تصبح أي مواجهة عسكرية مكلفة ليس فقط سياسياً، بل اقتصادياً واجتماعياً. وهنا يظهر جوهر “العقيدة البراكية”: تحويل السكان أنفسهم إلى حراس غير مباشرين للاستقرار، لأن مصالحهم ستصبح مرتبطة باستمراره.
هذا الطرح يعكس مدرسة فكرية أمريكية قديمة تعود إلى ما بعد الحرب الباردة، حيث تم استخدام الاقتصاد كأداة لإعادة تشكيل الدول الخارجة من النزاعات[1]. إلا أن تطبيق هذه المقاربة في جنوب لبنان يواجه إشكالية أساسية: الصراع هنا ليس فقط على الموارد، بل على الهوية والسيادة والحدود.
الركائز الأساسية للمشروع – البنية التحتية كأداة سياسية
يقترح المشروع إنشاء محطات طاقة شمسية كبرى ومحطات تحلية مياه في المنطقة الممتدة من صور إلى الناقورة، بتمويل من صناديق سيادية خليجية وشركات أمريكية. هذه المشاريع، رغم طابعها التنموي، تحمل بعداً استراتيجياً واضحاً.
فالتحكم بالطاقة والمياه يعني التحكم بمفاصل الحياة اليومية، وهو ما يجعل هذه البنية التحتية ليست فقط خدمات، بل أدوات نفوذ طويلة الأمد. وفي سياق دولي حيث تتحول الموارد إلى أدوات ضغط، يصبح السؤال: من يملك هذه البنية، ومن يديرها فعلياً؟[2]
السيادة المدنية: إعادة تعريف الأمن
يشترط المشروع أن تكون الإدارة والإشراف الأمني في هذه المناطق حصراً للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، لضمان بيئة آمنة للمستثمرين الأجانب. ظاهرياً، يبدو هذا الطرح تعزيزاً لدور الدولة، لكنه عملياً يضع شرطاً سياسياً واضحاً: حصر القوة المسلحة بيد الدولة ضمن منطقة محددة.
هذا الشرط يفتح باباً واسعاً للنقاش حول العلاقة بين الأمن والسيادة، وهل يمكن فرض نموذج أمني موضعي دون معالجة البنية الشاملة للصراع؟
الميناء واللوجستيات: الجنوب كبوابة للطاقة
تطوير “مرفأ صور” ليصبح مركزاً لوجستياً يخدم مشاريع استخراج الغاز في شرق المتوسط يشكل أحد أهم أعمدة المشروع. فهنا يتحول الجنوب من منطقة حدودية إلى عقدة إقليمية في شبكة الطاقة العالمية.
هذا التحول، إذا تحقق، سيعيد رسم موقع لبنان في الاقتصاد الإقليمي، لكنه في الوقت نفسه سيربط استقراره بمصالح دولية كبرى، ما قد يحدّ من هامش قراره السيادي.
التمويل والدور العربي – من المساعدات إلى الاستثمار المشروط
طرح توم براك فكرة إنشاء “صندوق استثمار الجنوب” (South Investment Fund)، برأس مال أولي يتراوح بين 5 إلى 10 مليارات دولار. اللافت هنا أن الولايات المتحدة تساهم بجزء بسيط، بينما يأتي الثقل الأكبر من استثمارات خاصة ودول عربية.
هذا النموذج يعكس تحوّلاً في أدوات النفوذ: من المساعدات المباشرة إلى الاستثمار المشروط. فالدول التي تستثمر بمليارات الدولارات تصبح شريكاً في القرار، وليس مجرد داعم.
كما أن إشراك صناديق سيادية خليجية يضفي بعداً إقليمياً على المشروع، حيث تتحول هذه الدول إلى ضامن للاستقرار، ليس بدافع سياسي فقط، بل لحماية استثماراتها.
سيمون كرم – من التفاوض التقني إلى إعادة تعريف السيادة
سيمون كرم هو محامٍ ودبلوماسي لبناني مخضرم، شغل منصب سفير لبنان لدى الولايات المتحدة (1992-1993) ومحافظاً لبيروت والبقاع سابقاً. في أواخر عام 2025، عُيّن رئيساً للوفد اللبناني المفاوض في اجتماعات الناقورة.
أهمية هذا التعيين تكمن في كونه أول شخصية مدنية تقود هذا الوفد، ما يشير إلى تحول في طبيعة المفاوضات من عسكرية إلى سياسية–دبلوماسية.
كرم لا يدير مجرد مفاوضات حدود، بل يعمل على إعادة تأسيس مفهوم السيادة في الجنوب، بحيث تصبح الحدود الواضحة شرطاً للاستثمار، وليس فقط للأمن.
المنطقة الاقتصادية العازلة
بدلاً من منطقة عازلة عسكرية، يقترح براك منطقة تكامل اقتصادي، حيث يصبح الأمن نتيجة للمصالح المشتركة، وليس للردع العسكري.
سياحة الرفاهية
يرى براك أن الساحل الجنوبي يمثل فرصة استثمارية ضخمة، ويخطط لتحويله إلى وجهة سياحية عالمية، ما يفرض واقعاً أمنياً جديداً.
الفكرة الأساسية هنا أن الاستثمارات الكبرى تخلق “ردعاً اقتصادياً”، حيث يصبح تدمير المشاريع مكلفاً لجميع الأطراف.
العلاقة بين كرم وبراك – تكامل الأدوار
العلاقة بين الرجلين ليست شخصية، بل وظيفية:
كرم يوفر الغطاء السيادي والقانوني، ويعمل على تثبيت الحدود.
براك يوفر الحافز الاقتصادي، ويطرح مشاريع تجعل الاستقرار ضرورة مادية.
هذا التكامل يشكل جوهر المشروع: السيادة عبر القانون، والاستقرار عبر الاستثمار.
الرؤية النقدية – بين الازدهار والتفكيك
يرى منتقدو هذا المشروع أنه محاولة لإعادة إنتاج نماذج سابقة، حيث يتم استخدام الاقتصاد كأداة لتفكيك القضايا السياسية.
السؤال الجوهري هنا ليس اقتصادياً، بل وجودي:
إشكالية توزيع الازدهار: من ينال الثروة فعلياً؟
غير أن الإشكالية الأعمق في هذا المشروع لا تكمن في حجمه أو طموحه، بل في طبيعة الازدهار الذي يعد به. فالتجربة اللبنانية، كما تجارب دول عديدة ذات بنى سياسية هشة، تُظهر أن النمو الاقتصادي لا يتوزع تلقائياً بشكل عادل، بل غالباً ما يُحتكر ضمن شبكات ضيقة من النفوذ السياسي والمالي. وعليه، فإن الخطر لا يتمثل فقط في فشل المشروع، بل في نجاحه بشكل غير متوازن، حيث يتحول إلى أداة جديدة لإعادة إنتاج المنظومة ذاتها.
في هذا السياق، يبرز التساؤل الجوهري حول “صندوق استثمار الجنوب”: من يحدد أولويات الإنفاق؟ ومن يراقب مسار الأموال؟ وفي ظل غياب آليات شفافة ومستقلة، يصبح من المرجح أن تتسرب الاستثمارات إلى قنوات الزبائنية السياسية، فتُستخدم لتعزيز نفوذ الطبقة الحاكمة بدل تفكيكه. وهكذا، بدل أن يكون المشروع مدخلاً لإعادة بناء الدولة، قد يتحول إلى رافعة إضافية لاقتصاد المحاصصة.
كما أن مشاريع البنية التحتية الكبرى—من المرافئ إلى الطاقة والسياحة—قد تخلق مؤشرات نمو لافتة، لكنها لا تضمن بالضرورة تحسيناً فعلياً في مستوى معيشة السكان. بل قد تنشأ “جزر ازدهار” معزولة، تستفيد منها فئات محدودة، بينما تبقى البيئة الاجتماعية الأوسع على هامش هذا التحول. وفي هذه الحالة، يفقد المشروع أحد أهم مبرراته: ربط الاستقرار بالمصلحة الشعبية.
الأخطر من ذلك أن إدماج هذه المشاريع ضمن البنية الطائفية القائمة قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة تماماً لما يُعلن عنه. فبدل إضعاف شبكات النفوذ التقليدية، قد يمدّها المشروع بموارد مالية جديدة، تعزز قدرتها على التحكم بالمجتمع وتوجيهه. وعندها، لا يعود “السلام الاقتصادي” مساراً نحو الاستقرار، بل يصبح شكلاً محدثاً من إدارة الانقسام.
من هنا، فإن السؤال لا يعود: هل سيحقق المشروع نمواً اقتصادياً؟ بل:
وهو سؤال يحدد، في نهاية المطاف، ما إذا كان هذا المشروع مدخلاً لنهضة حقيقية، أم مجرد إعادة تدوير للأزمة بأدوات أكثر حداثة.
هاجس السيطرة الاستيطانية: حين يتقدّم العقار على السيادة
غير أن أخطر ما يلوح في أفق هذا المشروع لا يرتبط فقط بتوزيع العوائد، بل بطبيعة التحول الصامت في السيطرة على الأرض. فالتجارب التاريخية في مناطق النزاع تُظهر أن الرأسمال، حين يدخل تحت عنوان “التنمية” و“السلام الاقتصادي”، لا يتحرك في فراغ، بل غالباً ما يتقاطع مع مشاريع نفوذ أعمق، قد تأخذ أشكالاً غير مباشرة من التمدّد الاستيطاني الوظيفي.
في هذا السياق، يبرز هاجس حقيقي من أن تتحول مشاريع البنية التحتية والسياحة والطاقة في الجنوب إلى بوابات لإعادة تشكيل ملكية الأرض واستخدامها. ليس عبر مصادرة مباشرة أو استيطان تقليدي، بل من خلال آليات أكثر تعقيداً: شراء الأراضي عبر وسطاء، إعادة تصنيفها كمناطق استثمارية، أو ربطها بشبكات اقتصادية عابرة للحدود تجعل التحكم بها فعلياً خارج يد أهلها.
وهنا يتقدم نموذج جديد من السيطرة:
لا دبابات تعبر الحدود، بل عقود واستثمارات تعيد رسم من يملك القرار على الأرض.
إن الربط بين “السلام الاقتصادي” وفتح المجال أمام مشاريع إقليمية كبرى، خاصة في سياق شرق المتوسط، يثير تساؤلات حول ما إذا كانت هذه العملية ستؤدي تدريجياً إلى دمج وظيفي غير متكافئ مع اقتصاد الكيان الصهيوني، بحيث تصبح مناطق الجنوب جزءاً من منظومة إنتاج وخدمات تخدم مصالح أوسع لا يتحكم بها اللبنانيون أنفسهم.
الخطر هنا لا يكمن في التعاون الاقتصادي بحد ذاته، بل في غياب التكافؤ والسيادة:
حين تصبح الأرض منصة لخدمة تدفقات طاقة أو سياحة أو لوجستيات مرتبطة بمراكز قرار خارجية، يفقد السكان المحليون موقعهم كمالكين فعليين، ويتحولون إلى مستخدمين مؤقتين في اقتصاد لا يملكون مفاتيحه.
وعند هذه النقطة، يلتقي هاجس الاستيطان مع إشكالية توزيع الازدهار:
بل يصبح أكثر حدّة:
من سيبقى يملك الأرض بعد أن تُعاد صياغتها اقتصادياً؟
وهل يمكن أن يتحقق “السلام” إذا كان ثمنه انتقال السيطرة من أصحاب الأرض إلى منظومات استثمارية مرتبطة بمصالح خارجية؟
الجنوب بين خيارين… أو بين وهمين
يقف جنوب لبنان اليوم أمام مفترق تاريخي. ليس بين حرب وسلام، بل بين نموذجين لإدارة الصراع: نموذج القوة، ونموذج السوق.
مشروع توم براك لا يقدم مجرد استثمارات، بل رؤية كاملة لإعادة تشكيل الجنوب، بينما يحاول سيمون كرم أن يضبط هذا المسار ضمن حدود السيادة.
لكن الحقيقة الأكثر قسوة هي أن أي مشروع لا ينطلق من فهم عميق لطبيعة الصراع، سيبقى هشاً مهما بلغت قوته المالية.
فالجنوب ليس أرضاً بلا ذاكرة، ولا ساحة فارغة للاستثمار. إنه مساحة مشبعة بالتاريخ والدم والهوية. وأي محاولة لإعادة تعريفه بلغة الأرباح فقط، قد تنجح مؤقتاً، لكنها لن تلغي التناقضات الكامنة.
المعركة الحقيقية اليوم ليست بين التنمية والرفض، بل بين مشروع يحاول تحويل الإنسان إلى مستثمر في الاستقرار، وآخر يرى فيه فاعلاً في معادلة السيادة.
وبين هذين الخيارين، يبقى السؤال مفتوحاً:
هل يُكتب مستقبل الجنوب في غرف الصفقات… أم في إرادة الناس؟
بين ازدهارٍ مُصادَر وأرضٍ تُقاوم
ليست المسألة اليوم مسألة مشروعٍ اقتصاديٍ يُضاف إلى سجلّ الخطط المؤجّلة في لبنان، ولا هي نقاشٌ تقني حول جدوى الاستثمار من عدمه. نحن أمام لحظة فاصلة يُعاد فيها تعريف الأرض نفسها: هل هي مساحة سيادية حيّة، أم مجرّد أصلٍ قابل للتوظيف في دفاتر الرأسمال العابر للحدود؟
إنّ أخطر ما في خطاب “السلام الاقتصادي” ليس وعوده الكبيرة، بل افتراضه الصامت بأنّ الإنسان يمكن اختزاله إلى كائنٍ استهلاكي، وأنّ الازدهار—أيّ ازدهار—كفيل بإخماد الأسئلة الكبرى: من يملك؟ من يقرّر؟ ومن يربح فعلياً؟
وهنا تتقاطع الإشكاليتان: إشكالية توزيع الازدهار وإشكالية الصراع على الأرض.
لكن ما يجري أعمق من مجرد تفاوت اقتصادي. نحن أمام صراعٍ صامت بين نموذجين:
نموذج يرى الأرض وطنًا وحقاً وتاريخاً،
ونموذج يراها فرصة استثمارية وعقاراً واعداً.
في النموذج الأول، الأرض تُقاس بالانتماء والكرامة والسيادة.
وفي الثاني، تُقاس بالعائد السنوي ونسب الربحية.
وهنا يكمن التناقض الذي لا يمكن تسويته بسهولة: فالرأسمال الاستعماري لا يحتاج إلى احتلال تقليدي ما دام قادراً على امتلاك الأرض وظيفياً، عبر المشاريع والعقود والبنى التحتية التي تعيد تعريف من يتحكم بها فعلياً.
إن تحويل الجنوب إلى “منطقة ازدهار” دون تفكيك البنية التي تُصادر هذا الازدهار، هو في جوهره إعادة توزيع للسلطة لا للثروة—من الميدان إلى السوق، ومن الصراع المباشر إلى الهيمنة الناعمة. وحينها، يصبح الاستقرار المطلوب ليس استقرار الشعوب، بل استقرار الاستثمارات.
من هنا، لا يمكن التعامل مع هذا المشروع بوصفه فرصة أو تهديداً فقط، بل بوصفه اختباراً تاريخياً:
هل تُستعاد الأرض كمساحة سيادية تُنتج عدالةً لأهلها، أم يُعاد تعريفها كمنصة ربحٍ تُدار من الخارج وتُحرس من الداخل؟
النهضة الحقيقية لا تُقاس بعدد الأبراج ولا بحجم الصناديق الاستثمارية، بل بقدرة المجتمع على فرض معادلة واضحة:
لا ازدهار بلا عدالة، ولا استثمار بلا سيادة، ولا سلام يُشترى على حساب الأرض ومن عليها.
وفي لحظة كهذه، لا يكفي أن نسأل: ماذا سنجني من المشروع؟
بل يجب أن نطرح السؤال الأصعب:
ماذا سنخسر إن لم نُعد تعريف شروط اللعبة نفسها؟
الهوامش والمراجع
[1] David Harvey, The New Imperialism, Oxford University Press.
[2] Michael Klare, Resource Wars: The New Landscape of Global Conflict.
[3] تقارير البنك الدولي حول إعادة الإعمار في مناطق النزاع.
[4] دراسات صندوق النقد الدولي حول الاستثمار في الدول الهشة.
[5] تحليلات مراكز أبحاث أمريكية حول “السلام الاقتصادي” في الشرق الأوسط.
