الضفة الغربية تحت الإطباق: هندسة الفوضى الشاملة بين الاقتحام العسكري وإرهاب المستوطنين

د.نبيلة عفيف غصن

مقدمة: يومان يكشفان ما هو أعمق من “أحداث”
ما شهدته الضفة الغربية خلال هذين اليومين ليس سلسلة اقتحامات متفرقة، ولا “حوادث أمنية” كما يحاول الخطاب الرسمي للاحتلال تصويرها. نحن أمام مشهد مركّب، تتكامل فيه أدوات السيطرة العسكرية مع عنف المستوطنين، ضمن استراتيجية واحدة هدفها إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا والوعي في آن واحد. إنها عملية مستمرة لإخضاع مجتمع كامل، عبر تحويل حياته اليومية إلى ساحة ضغط دائم، لا تهدأ فيها الجبهات ولا تتوقف فيها الرسائل.
أولاً: الجغرافيا كهدف—تفكيك المكان عبر الاقتحام المتزامن
اللافت في هذه التطورات هو الامتداد الجغرافي الواسع والمتزامن للاقتحامات: نابلس، قلقيلية، رام الله، القدس، أريحا، جنين، الخليل… لا منطقة خارج دائرة الاستهداف. هذا الانتشار ليس عشوائياً، بل يعكس سياسة “التشبيك القسري” بين المدن والقرى والمخيمات عبر الضغط الأمني.
اقتحام مخيم قلنديا، كفر عقب، نابلس القديمة، عزون، روجيب، إماتين، وكوبر، في توقيتات متقاربة، يعني عملياً أن الاحتلال يسعى إلى:
التركيز الكثيف على مخيمات مثل قلنديا، شعفاط، عين السلطان، والأمعري، يكشف أن الهدف يتجاوز الاعتقال أو الملاحقة. المخيمات تمثل خزّان الذاكرة الوطنية، وعنوان الاستمرارية السياسية لقضية اللاجئين.
حين تداهم القوات هذه المخيمات، وتعتلي الأسطح، وتطلق الغاز داخل المدارس كما حدث في المغير، فهي لا تستهدف “مطلوبين” فقط، بل تحاول:
تفكيك البنية الاجتماعية للمخيم.
كسر رمزية اللجوء كحالة سياسية مستمرة.
فرض واقع أمني يجعل الحياة اليومية مرهونة بالإرادة العسكرية.
هذا النمط يعكس فهماً عميقاً لدى الاحتلال: أن السيطرة على المخيم ليست فقط سيطرة على حيّ، بل على رواية.
ثالثاً: المستوطنون كذراع ميداني—خصخصة العنف وتوسيع نطاقه
بموازاة الاقتحامات، يتصاعد دور المستوطنين بشكل لافت: إحراق منازل في ترمسعيا، سرقة الأغنام في المغير، تخريب الأراضي في مسافر يطا، اقتلاع أشجار الزيتون في اللبن الشرقية، مهاجمة سيارات الإسعاف قرب نابلس.
هذا ليس “عنفاً منفلتاً”، بل نموذج واضح لما يمكن تسميته بـخصخصة الاستعمار:
المستوطن يقوم بالفعل،
الجيش يؤمّن الحماية،
الدولة توفر الغطاء القانوني والسياسي.
بهذا المعنى، يتحول المستوطن إلى أداة يومية لإرهاب السكان، بينما يحتفظ الجيش بدور “المنظم” و”الضابط للإيقاع”. النتيجة هي توسيع دائرة العنف دون كلفة سياسية مباشرة على المؤسسة العسكرية.
تجريف الأراضي في زبوبا، اقتلاع الزيتون في اللبن الشرقية، سرقة المحاصيل في مسافر يطا… كلها حلقات في حرب ممنهجة على الاقتصاد الزراعي الفلسطيني.
الأرض هنا ليست مجرد مورد اقتصادي، بل هي:
أساس البقاء السكاني.
أداة الصمود في وجه التهجير.
لذلك، فإن استهدافها يهدف إلى دفع السكان نحو خيارين أحلاهما مرّ: إما الرحيل، أو العيش في ظروف غير قابلة للاستدامة. إنها سياسة “الإفقار القسري” كمدخل للتهجير الصامت.
خامساً: الرسالة النفسية—إدارة الخوف كأداة حكم
حين يُعتدى على طفل، وتُقصف مدرسة بالغاز، وتُهاجم سيارة إسعاف، فإن الرسالة تتجاوز الفعل المباشر. نحن أمام محاولة منهجية لإنتاج حالة نفسية جماعية قائمة على:
انعدام الأمان الكامل.
فقدان السيطرة على تفاصيل الحياة اليومية.
الإحساس بأن لا خطوط حمراء.
تصريحات مقررة أممية تصف جيش الاحتلال بأوصاف قاسية ليست حدثاً بحد ذاته، بل انعكاس لتراكم مشاهد باتت صادمة حتى في المعايير الدولية. لكن الأهم هو أن هذه المشاهد تُستخدم داخلياً كأداة ردع نفسي، هدفها كسر الإرادة قبل كسر البنية.
سادساً: الترابط مع غزة—وحدة الساحة رغم الفصل الجغرافي
بالتوازي مع ما يجري في الضفة، يستمر القصف في غزة، مع سقوط شهداء بينهم أطفال. هذا التزامن ليس صدفة، بل يعكس وحدة في إدارة الصراع:
الضغط الأمني والاستيطاني في الضفة.
الهدف هو منع أي توازن في أي ساحة، وإبقاء الحالة الفلسطينية في وضع استنزاف دائم. إنها معادلة “الضغط المتعدد الجبهات” التي تمنع إعادة ترتيب الصفوف أو بناء استراتيجيات طويلة الأمد.
سابعاً: بين الذاكرة والتكريم—دلالة تسمية درج نزيه دروزه
في مقابل هذا المشهد القاتم، يبرز قرار بلدية نابلس بتخليد اسم الشهيد نزيه دروزه كفعل مضاد، يؤكد أن الصراع ليس فقط على الأرض، بل على الرواية أيضاً.
تكريم مصوّر استشهد وهو ينقل الحقيقة يعيد التأكيد على أن:
الذاكرة ميدان مواجهة.
التوثيق فعل مقاومة بحد ذاته.
إن تثبيت الاسم في المكان الذي استشهد فيه هو إعادة امتلاك رمزي للحيز العام، في مواجهة محاولات محوه أو إعادة تعريفه.
ما جرى في هذين اليومين ليس تصعيداً عابراً، بل تجلٍ مكثّف لبنية استعمارية تعمل على عدة مستويات: عسكرية، استيطانية، اقتصادية، ونفسية. إنها منظومة متكاملة تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني تدريجياً، بحيث يصبح القمع هو القاعدة، والمقاومة هي الاستثناء.
لكن هذه المعادلة ليست قدراً محتوماً. فكلما تصاعدت أدوات السيطرة، تتعمق في المقابل أشكال الوعي والمقاومة، سواء في الميدان أو في الذاكرة أو في الكلمة.
هل ما يحدث هو “إجراءات أمنية”، أم مشروع اقتلاع شامل؟
وهل يُراد للفلسطيني أن يكون مجرد “ساكن تحت السيطرة”، أم فاعلاً في معادلة لم تُحسم بعد؟
في قلب هذا الاشتباك، تتحدد ملامح المرحلة القادمة:
إما ترسيخ واقع الإخضاع الكامل، أو انفجار أشكال جديدة من المواجهة تعيد خلط الأوراق من جديد.
ماذا قد تكون الأشكال الجديدة من المواجهة التي تعيد خلط الأوراق من جديد.
“الأشكال الجديدة من المواجهة” ليست فقط التصعيد العسكري التقليدي بل ما تعني تحوّلاً في قواعد الاشتباك نفسها—أي نقل الصراع إلى ميادين يُجيدها الطرف الفلسطيني أكثر، أو يُربك فيها بنية السيطرة القائمة.
إذا قرأنا ما يحدث في الضفة ضمن سياق أوسع، يمكن تصور عدة مسارات تتبلور تدريجياً:
أولاً: إعادة تعريف المقاومة الشعبية كفعل يومي منظم
ليس المقصود هنا الاحتجاج التقليدي فقط، بل تحويل الحياة اليومية إلى مساحة فعل منظم: حماية الأراضي، الزراعة الجماعية في المناطق المهددة، لجان حراسة محلية، وإعادة إحياء أشكال التضامن الأهلي. هذا النوع من المواجهة يحدّ من قدرة الاحتلال على فرض “الروتين القمعي” لأنه يخلق بنية اجتماعية مقاومة، لا مجرد رد فعل.
ما كان في السابق توثيقاً للأحداث، يتحول اليوم إلى ساحة صراع قائمة بذاتها. الانتقال من نشر المشاهد إلى بناء سرديات مؤثرة ومستمرة قادرة على اختراق الرأي العام العالمي، يخلق ضغطاً سياسياً وقانونياً متراكماً. تكريم شخصيات مثل نزيه دروزه يندرج ضمن هذا المسار: تثبيت الذاكرة كجزء من المواجهة.
رغم بطئها، فإن مراكمة الملفات القانونية—سواء في المحاكم الدولية أو عبر منظمات حقوقية—يمكن أن تتحول إلى عنصر إرباك حقيقي، خاصة عندما تتقاطع مع حملات إعلامية وضغط شعبي عالمي. هذا المسار لا يحقق نتائج فورية، لكنه يبني كلفة سياسية متزايدة على المدى الطويل.
رابعاً: الاقتصاد كجبهة صامتة
تعزيز نماذج الاقتصاد المحلي، التعاونيات الزراعية، ومقاطعة منتجات مرتبطة بالاستيطان، كلها أدوات تقلل من هشاشة المجتمع أمام سياسات الإفقار. الصراع هنا يصبح على القدرة على البقاء والاستمرار، لا فقط على رد الفعل.
خامساً: تفكيك نموذج “التحكم الكامل” عبر المرونة المجتمعية
الاحتلال يعتمد على التحكم بالحركة، الموارد، والمفاجأة. أي نموذج مجتمعي مرن—قادر على التكيف السريع، وتوزيع الأدوار، والعمل اللامركزي—يُضعف هذه السيطرة. هذا لا يظهر كـ“حدث كبير”، لكنه يغيّر قواعد اللعبة تدريجياً.
رغم الفصل بين الضفة وغزة، هناك إمكانية لخلق وحدة في الفعل السياسي والإعلامي والشعبي، بحيث لا تبقى كل ساحة معزولة. عندما تتزامن الضغوط بأشكال مختلفة، يصبح من الصعب احتواء كل جبهة على حدة.
الخلاصة
“خلط الأوراق” لا يحدث فقط عبر مواجهة مباشرة، بل عبر تغيير طبيعة اللعبة نفسها: من رد فعل متفرق إلى فعل تراكمي متعدد المستويات—اجتماعي، إعلامي، اقتصادي، وقانوني.
التحول الحقيقي يبدأ عندما لا يعود الطرف الأقوى قادراً على التنبؤ بشكل المواجهة أو احتوائها بسهولة. هنا بالضبط تبدأ ملامح مرحلة جديدة بالتشكل.