د. فريد عبد الجبار ولد علي

في كل مرة تُسدل فيها ستارة حربٍ جديدة، يتسابق الجميع لإعلان النصر، وكأنّ الخسائر الفادحة يمكن إخفاؤها وراء خطابات سياسية أو ضجيج إعلامي.

غير أن الحقيقة الأكثر وضوحاً، والتي تتكرر عبر التاريخ، هي أن الحروب نادراً ما تترك منتصراً حقيقياً، بل تخلّف خرائط مثقلة بالخسائر، وشعوبًا تدفع الثمن. الحرب الأخيرة ليست استثناء. فهي قد انتهت مؤقتاً، واللافت أن أطرافها الرئيسة الثلاثة حاولت تسويق نفسها على أنها رابحة.

ولكن المشهد يبقى مبهما الى حين، فالتدقيق يكشف هشاشة هذه الادعاءات. لأن فتح الممرات البحرية أو استقرار أسعار الطاقة، على سبيل المثال، ليست إنجازات استثنائية بقدر ما هي عودة إلى ما كان قائماً قبل اندلاع الصراع. كما أن بعض النجاحات التي تم الترويج لها تبدو أقرب إلى إعادة تدوير للواقع، لا إلى تغيير حقيقي فيه. كالعاد يتحفنا ترامب دوما بإطلالات نرجسية تتحدث عن إنجازات خرافية، ومن المفارقات أن معظم ما أعلن عنه ك “إنجازات” كان في الواقع مجرد إعادة إلى ما كان قائماً قبل الحرب، وتتلخص هذه الإنجازات في فتح مضيق هرمز الذي كان مفتوحاً أصلاً. وإنقاذ الطيار الذي كان نائماً في منزله قبل الحرب. وانخفاض أسعار النفط التي كانت منخفضة أساساً، وأقل مما هي عليه الآن. هذه المكاسب تبدو أكثر كضجيج إعلامي منها كتحقيق إنجازات حقيقية. ولا أبالغ ان قلت إنها نوع من تجميل حقيقة بشعة.

أما النتن، فحاول تقديم نفسه على أنه صامد ومنتصر، عبر الكثير من الضجيج الفارغ والتشتت في مواجهة متعددة الجبهات مع إيران ولبنان واليمن. لكن الواقع كان أكثر فداحة، حيث شهد كيانه الغاصب تدمير جزئي للبنية التحتية والمطارات ومنظومة القبة “المشمشية”. وكذلك تدمير مصانع ومباني سكنية ومدن كاملة. إضافة الى خسائر بشرية كبيرة بين قتلى ومصابين، رغم التكتّم الإعلامي.

والنتيجة انهيار أسطورة “شعب الله المختار”، حيث قضى المدنيون لياليهم في الملاجئ ومحطات المترو لمدة 50 يوماً كالفئران في المجاري. أما إيران فيظهر أنها رغم كونها المعتدى عليه، فإنها قد حققت مكاسب لا تنكر الا من جاهل أو أعمى بصر وبصيرة.

فعلى الرغم من الخسائر الكبيرة، كانت إيران هي الطرف الذي حقق مكاسب ملموسة. حيث كسرت هيبة جيشين من أقوى الجيوش، وأثبتت وهمية الجيوش التي “لا تُقهر”. كما أنها في طور فرض رسوم عبور تصل إلى 65 مليار دولار سنوياً على السفن في مضيق هرمز ترفد خزينتها، ومثلها لسلطنة عُمان.

كما أن اتفاق انهاء الحرب سيشمل فك الحصار والعقوبات الاقتصادية عليها، وإمكانية بيع النفط بالأسعار العالمية، واستعادة الودائع المحجوزة. وقد يكون شرط عدم المساس بالبرنامج النووي والصاروخي والطائرات المسيّرة، أهم بنود الاتفاق ما سيمنحها قدرة إعادة التسلح مستقبلاً.

ولكن ذلك لم يأت دون ثمن. فقد كان ذلك نتاج خسائر بشرية ومادية كبيرة، بما في ذلك وفاة 168 فتاة قُصفت مدرستهن في اليوم الأول، وانهيار البنية التحتية والطرق والمساكن.

وكذلك اغتيال الكثير من القادة العسكريين والسياسيين، والمرجعيات الدينية وأولها مقتل المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، واصابة ابنه المرشد الحالي مجتبى. لا شك أن الجميع ينتظر أن نرى دور دول المنطقة في هذا النزاع المفروض على الجميع دونما رغبة أحد.

فلو نظرنا الى مكاسب دول الخليج خلال الحرب، لبدا الموقف هشاً جداً. فقد أظهرت الأحداث تبعيةً كاملةً للولايات المتحدة، التي لم تستطع حماية نفسها ولا حليفتها دولة الكيان الصهيوني، ناهيك عن القواعد التي كان يٌزعم أنها لحماية المنطقة من الخطر الإيراني فإذا بها تصبح أساس الاستهداف الإيراني وسبب تعرض دول المنطقة للرد الإيراني. إضافة الى الدمار الكبير الذي أصاب عدة دول، مع خضوع سياسي واضح وإجبار على تبني شروط لا تخدم مصالحها بشكل مستقل. وكالعادة من المنتظر أن يتم تحميل دول الخليج فاتورة الحرب كاملة كي تدفعها، بما يشمل خسائر تريليونيه، وزيادة التطبيع مع إسرائيل ضمن اتفاقية “أبراهام”.

والخلاصة تظهر أن الحروب لا تُخلف رابحاً حقيقياً. بل ان الجميع خاسر وبشدة، فأمريكا ودولة الكيان تكبدتا خسارة مهينة. وإيران خسارتها ممزوجة بالكرامة والهيبة، لكنها دفعت ثمناً بشرياً ومادياً باهظاً. ودول الخليج تكبدت خسائر اقتصادية كبيرة وخضوع سياسي. وبقية دول العالم خسرت اقتصادياً بسبب اضطرابات السوق وارتفاع التكاليف. أما الرابحون الوحيدون فهم القوى التي راقبت من بعيد، مثل روسيا والصين وكوريا الشمالية، التي وظفت الصراع لمصالحها دون أن تتحمل أية كلفة مباشرة.

وهكذا نجد أن القوة الحقيقية لا تُقاس فقط بالسلاح أو الجيوش، بل بالقدرة على الاعتماد على الذات، بالاستقلال الاقتصادي والسياسي وصلابة الجبهة الداخلية والقدرة على حماية الشعب والبلد دون انتظار أحد.

فالحروب قد تنتهي بوقف إطلاق نار، لكنها تترك أسئلة مفتوحة: هل كان يمكن تجنبها؟ من سيدفع الثمن الحقيقي؟ وهل سيتعلم العالم من دروسها، أم سيكررها في جولات جديدة؟ في النهاية، من يريد أن يظل قوياً ومستقراً، عليه أن يمتلك قدراته الذاتية، ويستثمر في شعبه وموارده وجيشه، ليصبح قادراً على الصمود في وجه الأزمات، دون أن يعتمد على الآخرين الذين يبحثون دائماً عن مصالحهم أولاً.