الأنظمة الخليجية… الوجه الآخر ل”إسرائيل”

بقلم/وداد البيض كاتبة وناشطة سياسية يمنية

من أراد أن يفهم حقيقة ما يجري في هذه الأمة، فليتوقف عن النظر إلى الشعارات، وليبدأ بالنظر إلى الأفعال. فكم من نظامٍ رفع راية الإسلام بلسانه، ثم سلّم مقدرات الأمة بيده، وكم من حاكمٍ تظاهر بنصرة فلسطين في الخطب، ثم فتح الأبواب سرًا وعلنًا للتطبيع، والتنسيق، والتمويل، والخيانة. وهنا تتكشف الحقيقة الصادمة التي حاولوا دفنها لعقود: الأنظمة الخليجية ليست خصمًا لإسرائيل… بل هي الوجه الآخر لها، والشريك الأخطر في مشروعها داخل الجسد العربي والإسلامي.

إسرائيل تحتل الأرض بالقوة العسكرية، أما هذه الأنظمة فتحتل الوعي بالعقيدة المزوّرة والإعلام المأجور والمال السياسي. إسرائيل تهدم البيوت فوق رؤوس أهلها، وهذه الأنظمة تهدم العقول، وتزرع الفتنة، وتعيد تشكيل المجتمعات على مقاس المشروع الأمريكي الصهيوني. إسرائيل تقتل الفلسطيني علنًا، وهذه الأنظمة تقتل القضية بصمت، وتخنق كل صوت حر، وتطعن المقاومة من الخلف، ثم تخرج علينا ببيانات النفاق عن “الحرص على الاستقرار” و“رفض التصعيد” وكأن دماء الأطفال في غزة مجرد خبر عابر في نشرة المساء.

لقد أثبتت السنوات الماضية بما لا يدع مجالًا للشك أن أخطر ما واجهته الأمة لم يكن فقط الاحتلال الصهيوني المباشر، بل الأنظمة التي تكفّلت بحراسة ظهره، وتمهيد طريقه، وتبييض جرائمه، وتمويل أدواته، وتشويه أعدائه. فهذه الأنظمة لم تكن يومًا مجرد حلفاء لواشنطن، بل كانت وما زالت خزائن مفتوحة للمشاريع المشبوهة، من شراء الولاءات، إلى تمويل الحروب، إلى صناعة الفوضى، إلى تحويل الدين نفسه إلى أداة للقتل والتحريض والانقسام.

هم من صدّروا الوهابية السياسية والفكرية إلى كل بيت ومسجد ومنبر، لا لنشر الدين، بل لصناعة إنسان ممزق، يرى عدوه في أخيه المسلم، ويغض الطرف عن العدو الحقيقي الذي يحتل الأرض ويدنس المقدسات. ثلاثون عامًا وأكثر وهم يضخون عبر القنوات، والمدارس، والجامعات، والخطب، والكتب، والمناهج، فكرة واحدة: “الشيعة أخطر من اليهود، والمقاومة أخطر من الاحتلال، وإيران أخطر من إسرائيل.” حتى أصبح كثيرون يصرخون ضد من يقصف تل أبيب، ويسكتون أمام من يمزق غزة، ويصفقون لمن يحاصر اليمن، ويشتمون من يقاوم أمريكا.

هذه ليست أخطاء سياسية عابرة، بل عقيدة خيانة متكاملة. عقيدة بُنيت على تزييف الوعي، وتشويه الأولويات، وقلب الحقائق. فبدلًا من أن يكون العداء موجّهًا نحو الصهيونية، جرى تحويل البوصلة نحو صراعات مذهبية مصطنعة. وبدلًا من أن تتوحد الأمة خلف فلسطين، تم تمزيقها بين فتاوى التكفير، وخطب التحريض، وتمويل الجماعات المتطرفة، وتفخيخ المجتمعات من الداخل. من الذي موّل الفتن في سوريا والعراق واليمن وليبيا؟ من الذي فتح خزائنه للقنوات السوداء، والذباب الإلكتروني، وشيوخ الفتنة، وتجار الدم؟ من الذي قدّم المنطقة كلها قربانًا للمشروع الأمريكي مقابل كرسي وحماية وقواعد عسكرية؟ إنها ذات الأنظمة التي تريد اليوم أن تظهر كأنها “صانعة سلام” بينما أيديها تقطر دمًا وخرابًا.

إسرائيل تقصف بالطائرات، والأنظمة الخليجية تقصف بالعقيدة المسمومة والمال الأسود.
إسرائيل تبني المستوطنات على الأرض، وهذه الأنظمة بنت مستوطنات فكرية داخل العقول.
إسرائيل تريد شرقًا أوسط جديدًا بلا مقاومة، وهذه الأنظمة تعمل منذ عقود لصناعة شرقٍ أوسطٍ بلا كرامة، بلا سيادة، بلا هوية، وبلا فلسطين.

وحين نقول إن الأنظمة الخليجية هي الوجه الآخر لإسرائيل، فنحن لا نبالغ، بل نصف واقعًا صارخًا. فكلما اشتدت المقاومة، تحرك إعلامهم لتشويهها. كلما اهتزت تل أبيب، ارتجفت عروشهم. كلما سقط صاروخ على الاحتلال، ارتفعت أصواتهم عن “ضبط النفس”. كلما انتفضت الشعوب ضد التطبيع، نزلت جيوشهم الإلكترونية لتبرير الخيانة وشيطنة الأحرار. هم لا يخافون على “الاستقرار” كما يزعمون، بل يخافون على المعادلة التي أبقتهم أحياء: أمن إسرائيل مقابل بقاء العروش.

إنهم يعرفون جيدًا أن سقوط المشروع الصهيوني لن يبقى محصورًا في فلسطين، بل سيمتد أثره إلى كل عاصمة عربية خانت، وكل قصر موّل، وكل شاشة حرّضت، وكل منبر كذّب، وكل بنك غسل أموال الدم، وكل شيخ باع دينه للسلطان. ولذلك رأيناهم يقفون في خندق واحد: أمريكا من فوق، إسرائيل في القلب، والأنظمة الخليجية كحارس بوابة، يمنعون الغضب الشعبي، ويشترون الصمت، ويقمعون الحقيقة، ويلاحقون كل صوت يفضحهم.

أي سلام هذا الذي يتحدثون عنه وهم يطبّعون مع قاتل الأطفال؟
أي عروبة هذه التي يزعمونها وهم يفتحون الأجواء والموانئ والصفقات للعدو؟
أي إسلام هذا الذي يرفعونه شعارًا بينما يموّلون من يمزق الأمة ويكفّر أبناءها؟
أي سيادة هذه وهم يستضيفون القواعد الأمريكية، ويدفعون الجزية السياسية، وينفذون الأوامر كأنهم إدارات محلية في إمبراطورية استعمارية؟

لقد حوّلوا الخليج من ثروةٍ للأمة إلى خزان وقود للمؤامرات.
حوّلوا النفط من أداة قوة إلى أداة ابتزاز.
حوّلوا الإعلام من منبر وعي إلى مصنع تضليل.
حوّلوا الدين من رسالة عدل إلى سلاح فتنة.
حوّلوا فلسطين من قضية مركزية إلى عبء يريدون دفنه.
وحوّلوا الشعوب إلى جماهير مرهقة بين الخوف والتجويع والقمع والغسيل الإعلامي اليومي.

لكن مهما طال زمن الخداع، فإن الحقيقة تخرج. واليوم، لم يعد من الممكن إخفاء هذا التحالف القذر. من غزة إلى اليمن، من العراق إلى لبنان، من سوريا إلى البحر الأحمر، تتكشف الخيوط كلها: العدو ليس فقط من يحتل الأرض، بل أيضًا من يموّل احتلالها، ويشرعن وجودها، ويحارب من يقاومها، ويعيد تشكيل المنطقة لخدمة أمنها. ولهذا، فإن المعركة مع هذه الأنظمة ليست مجرد خلاف سياسي، بل صراع وعي وهوية ومصير.

إن تحرير فلسطين لا يمر فقط عبر مواجهة إسرائيل، بل يمر أيضًا عبر فضح الأنظمة التي تحرسها، وكسر الآلة الإعلامية التي تخدمها، وإسقاط السردية التي صنعتها، وإعادة تعريف العدو كما هو: الصهيونية ومن يخدمها مهما لبس من ثياب، ومهما رفع من شعارات، ومهما تظاهر بالتدين.

وليعلم الجميع:
الأنظمة الخليجية التي باعت فلسطين ستبيع كل شيء.
الأنظمة التي موّلت الفتنة لن تجلب إلا الفتنة.
الأنظمة التي احتمت بأمريكا ستسقط يوم تتخلى عنها أمريكا.
الأنظمة التي اعتاشت على تمزيق الأمة، سترتجف يوم تستعيد الأمة وعيها.

نعم… إسرائيل تحتل الأرض، لكن الأنظمة الخليجية احتلت العقول.
وإذا كانت إسرائيل هي عدو الأمة الظاهر، فإن هذه الأنظمة هي عدوها المقنّع.
وإذا كانت تل أبيب هي رأس المشروع، فإن بعض العواصم الخليجية كانت ولا تزال ذراعه التي يبطش بها في الداخل.

ولهذا نقولها بوضوح لا لبس فيه:
الأنظمة الخليجية ليست مجرد متواطئة مع إسرائيل… بل هي الوجه الآخر لإسرائيل، والخنجر الذي غُرس في خاصرة الأمة باسم الدين، والعروبة، والتحالف، والاستقرار.

بقلم وداد البيض