إن مشكلة أغلب التحليلات في قراءة الصراع السياسي أنها تنظر إلى العالم وكأنه ثنائية مغلقة بين قوتين، أميركا والصين، بينما ينبئنا واقع انتظام الصراع الدولي الحقيقي أنه أكثر تعقيدًا، وأوسع اشتباكًا، وأكثر تعددًا.
وإن كنا، كشعوب ودول صغيرة وضعيفة، ننظر بعين الإعجاب والخوف إلى القوتين الأميركية والصينية، فليس هذا حال القوى الكبرى والمتوسطة، التي تنظر فقط بعين المصلحة والحذر وشهوة الفرصة في آن واحد.
أميركا والصين لم تصلا إلى حرب، ولن تصلا إلى سلام حقيقي، وهنا تكمن دلالة المشهد كله. فالعلاقة بينهما لم تعد قابلة للحسم، لا عسكريًّا ولا اقتصاديًّا، لأن كلفة الانفصال الكامل باتت تهدد الطرفين والعالم معًا.
فهل قصد ترامب شي جين بينغ متأملًا أن يعود بطائرة من ذهب؟
ربما ظن أن الضغط والابتزاز السياسي قادران على انتزاع تنازلات كبرى، لكن من السذاجة الاعتقاد أن واشنطن وبكين التقتا فعلًا على مشروع مشترك أو رؤية واحدة للعالم، لأن المتعاكسين لا يلتقيان، بل يديران تناقضهما ضمن حدود تمنع الانفجار الكبير.
وتجنبًا للإطالة، لن نقارن بينهما حضاريًا وتاريخيًا وفلسفيًا، ونكتفي بالقراءة السياسية. فترامب، بما يمثله من نزعة أميركية متضخمة ترى نفسها مركز العالم، لا يعبر فقط عن الولايات المتحدة كدولة، بل عن تيار يعتبر أن الهيمنة الأميركية حق طبيعي يجب الحفاظ عليه بأي ثمن.
وفي المقابل، ترى الصين أن صعودها التاريخي لم يعد قابلًا للاحتواء أو التأجيل.
لذلك، ما يجري ليس مصالحة، بل هدنة مؤقتة داخل صراع طويل على قيادة العالم، والاقتصاد، والتكنولوجيا، والطاقة، وربما على شكل النظام الدولي نفسه.
فاللقاء بين التنين والنسر، هدنة فوق رماد العالم، أي حركة مهما صغرة ستبعث غبار الرماد ليغشي الأبصار ويحجب بضبابيته الرؤيا.
ورغم ذلك، لم يكن لقاء خصمين يسعيان إلى السلام، ولا لقاء حليفين يبحثان عن شراكة جديدة.
كان أشبه بلقاء قوتين تدركان أن العالم لم يعد يتسع لانتصار مطلق، ولا يحتمل سقوطًا كاملًا لأي منهما.
دخل ترامب إلى بكين وهو يحمل صورة أميركا التي ما زالت ترى نفسها مركز النظام العالمي، والقوة التي اعتادت أن تتحكم بالممرات، والأسواق، والمال، وحتى إيقاع التاريخ نفسه.
ودخلت الصين اللقاء وهي تحمل يقينًا متضخمًا بأن زمنها قد بدأ، وأن المصنع الذي كان يعمل في الظل بات يريد الجلوس على رأس الطاولة.
لكن، خلف التصريحات والابتسامات والبروتوكولات الثقيلة، كان ثمة سؤال صامت يملأ القاعة: كيف يمكن لقوتين تخشيان بعضهما إلى هذا الحد أن تستمرا في العيش داخل العالم نفسه؟
أعتقد أن أميركا خرجت من اللقاء مقتنعة بأن الصين لم تعد مجرد سوق أو ورشة إنتاج عملاقة، بل مشروع حضاري واقتصادي وتقني يطمح إلى إعادة تشكيل ميزان القوة العالمي.
والصين فهمت من اللقاء أن واشنطن لن تتخلى بسهولة عن قرن كامل من الهيمنة، ولا عن امتيازات صنعتها الحروب، والدولار، والأساطيل، والتحالفات.
ومع ذلك، لم يذهبا إلى الحرب، لا لأن السلام انتصر، بل لأن المصالح المتشابكة باتت أكثر تعقيدًا من أن تُقطع بضربة واحدة.
فالاقتصاد الذي ربط العالم خلال العقود الماضية جعل الخصوم أسرى بعضهم بقدر ما جعلهم شركاء اضطراريين.
هنا تحديدًا تكمن المفارقة الكبرى لهذا العصر: الصراع قائم، لكن الانفصال الكامل مستحيل. والتعاون قائم، لكن الثقة معدومة.
روسيا تراقب بحذر، لأنها تحتاج الصين دون أن تطمئن إليها، ودوغينها (ألكساندر دوغين) ينصح بالصمت مخافة الوقوع في لعبة التنجيم.
وأوروبا تخشى أن تتحول إلى هامش بين عملاقين يتنازعان قيادة القرن، وراقصها الفرنسي لم يجد جمهورًا في رقصته الأخيرة على المسرح الأوكراني.
الداهية الإنجليزي بعقله البارد كعادته يراهن على كل الأحصنة السوداء، فالرهان عنده مصدر إلهام.
أما الهند وتركيا وإيران، فترى في هذا التشقق الدولي فرصة لإعادة التموضع، وحجز أماكن جديدة في العالم القادم، فلطالما كانت لقوى الشرق فرص في تغير معادلات التاريخ.
ولذلك، فإن لقاء بكين لم يكن حدثًا عابرًا، بل صورة مكثفة عن شكل المرحلة المقبلة كلها: لا حرب عالمية شاملة، ولا سلام دولي مستقر، بل هدنات مؤقتة، وصراعات طويلة ودقيقة، وتوازنات تتحرك فوق أرض رخوة حينًا، ومغرقة حينًا آخر.
لقد جلس النسر الأميركي والتنين الصيني إلى طاولة واحدة، لكن أحدًا منهما لم يقترب حقًا من الآخر. كان كل طرف ينظر إلى الثاني كما ينظر المفرور إلى المرايا: متباهٍ رغم خوفه من المستقبل، وقلق من اكتشاف نقاط ضعفه، رغم غروره.
وربما لهذا السبب بدا اللقاء، رغم ضجيجه العالمي، وكأنه اعتراف غير معلن بحقيقة واحدة: أن العالم دخل زمنًا لا يستطيع فيه أحد أن يحكم الجميع، ولا يستطيع فيه أحد أن ينعزل عن الجميع.
18/5/2026
طارق سيف الدين/سورية الطبيعية
