العنوان : “78 عاماً … أين نحن الآن ؟”
الكاتب : عمر غفير
17 أيار/مايو 2026
في كل عام وفي مثل تلك الأيام نستحضر ذكرى توقظ في وجدننا أشياء قد عاشها أجدادنا وقد قرأنا عنها على مقاعد الدراسة ولامسنا معانيها الوجدانية في الكثير من الفعاليات والندوات والأنشطة وغيرها من اساليب التعبير الجمعي , وكان الشعور الحاضر في كل ذكرى هو مزيج بين حالة من التعاطف والألم لمشاهد حدثت و رويَت لنا وبين حالة السؤال لماذا حصل كل ذلك ..؟
الحالة الشعورية بطبيعتها تخلق في ذهن من يعيشها أسئلة افتراضية وتصورات تكون على شكل إجابات بعضها منطقي عقلاني والبعض الآخر عاطفي يستند الى الإرضاء أو في بعض الأحيان إسكات هذا الشعور ليدفن مؤقتاً حتى يتم استحضاره وإحيائه بمناسبة أخرى ولكن لم يكن يوماً هذا الشعور مؤجلا كما نرغب ضمنياً وذلك لمجموعة أسباب :
أولا: لم يترك صانع هذا الفعل الشعوري المؤذي مجالاً للراحة حيث أنه يذكرنا وفي كل صباح أنه فاعل حيوي بسلوكه المتواتر تارةً بحالة تصاعدية وتارةً بوتيرة منخفضة , ولذلك أن تشبه ذكرى النكبة في 15 أيار/مايو عام 1945 أية حدث مأساوي آخر تتضامن معه الشعوب والجماعات المتضررة منه على سبيل المثال ذكرى الإبادة الأرمنية في 24 نيسان/أبريل عام 1915 أو ذكرى حادثة إلقاء أول قنبلة ذرية في التاريخ في 6 آب/أغسطس عام 1945 , وبالتالي فإن تعاطينا حكماً سيكون مختلف وقطعاً سيكون أكثر تفاعلاً وهذا يستند للمبدأ الفيزيائي البسيط المرتبط بقوى الفعل ورد الفعل.
ثانياً: إن محاولات فهم ما حصل قد تبدو للوهلة الاولى كسردية تاريخية نستقرأ من خلالها كيف تحقق حينها المشروع وكيف تمظهرت أولى ملامح الكيان على ارض فلسطين بطريقة علنية ومباشرة و واضحة مجسدة للإرادة الأكثر فاعلية وديمومة لمفهوم الهيمنة الاستراتيجي في وقت كانت تترصد فيه حسابات الخاسرين والرابحين والمتضررين بين القوى العظمى بعد الحرب العالمية الثانية , ولكن ومع هذا التوصيف لتلك الحادثة يعترضنا سؤال حيوي مرتبط بمعرفة عوامل الفاعلية والديمومة ونسبيتها وقوتها ومدى قدرة تأثيرها .
ثالثاً: دائما ما كان يُربط عنوان هذه النكبة بالأدبيات المختلفة لمجموع المتضررين من النكبة ومن وجود الكيان بمجموعة من المصطلحات التي أصبحت شبه ملازمة في حالة التوصيف وهي (الصراع – الحق – المقاومة – وغيرها…) وإذا ما أردنا فعلاً الوقوف على جوهرية الذكرى يجب أن نقف عند المفاهيم التي تلازمها لنعيد تقييم جدواها وصحتها ومقاربتها للواقع الراهن لان التقييم يعتبر أحد أركان القراءة السليمة والموضوعية وبالتالي لا جدوى من الإحياء دون الربط مع تجليات تلك الذكرى في الواقع المعاش .
وبعد استعراض الأسباب الرئيسية الثلاث السابقة وطبعاً غيرها الكثير ولكن يكفي أن نربط بين الأسباب المذكورة لنعرف أين نحن الآن…
وهنا بعد رصد المدخلات المذكورة وتحليل تفاعلها باستخدام مستويات التحليل المنهجي في الابعاد السياسية المتنوعة ( داخلي – إقليمي – دولي ) نستطيع ان نستخرج حاصل التفاعل نسبياً وفق الآتي :
1- حيوية الكيان كمشروع : بمقاربة بسيطة بين ما قاله مؤسس الكيان ديفيد بن غوريون وما قاله بنيامين نتنياهو ندرك أن الأدبيات الداعية لاستمرار حيوية المشروع هي أدبيات أصيّلة واستراتيجية ومرتبطة بحالة الوجود فقد قال بن غوريون ” نحن دولة ديناميكية مندفعة نحو الخلق والإصلاح والبناء والتوسع ” أما نتنياهو فعندما سُأل في مقابلة له مع i24 عن ” Greater Israel” فقد قال وبكل وضوح ” أنا مرتبط جداً برؤية اسرائيل الكبرى” وهنالك شواهد عديدة وكثيرة عن هذه الرؤية ولكن ذكرنا هذيت الشاهدين كي لاتخلو المقاربة من المثال…
2- صناعة المقاربات المشبوهة : تقصدت ذكر الأمثلة المرتبطة بحيوية مشروع الكيان الاسرائيلي لأن المقاربات الناقصة والمشبوهة التي تستهلك على وسائل الإعلام ومنابر الرأي وتصدر لنا عبر الكثير من الأقنيّة تمتلك في مضمونها خطراً فائق الأهمية يستهدف الوعي الجمعي والحس الإدراكي والفهم المنطقي , فالحروب المركبة أو الهجينة هي الانماط الحديثة التي تخاض بها حروب اليوم والتي تعتقد ان الغزو القيمي والمفاهيمي يحطم كل موانع المحاكاة العقلانية الواعية وبهذا يكون الانتقال لأي نوع من الأنواع الأخرى للحروب بعد تحقيق هذا النوع الهدف المرجو منه أمراً سهلاً وبسيطاً وغير مكلف ويحقق نتائج أسرع .
3- تحرك مراكز القوة العالمية وثبات الأدوات الوظيفية : بقراءة بسيطة في التاريخ نجد أن الكيان الاسرائيلي نشأ أولاً برعاية بريطانية حيث كانت تستحوذ ثقل دولي نوعي قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية وبعد صعود القوة الامريكية لتحتل الفراغ الدولي الناتج عن إنهاك القوى المتحاربة بعد الحرب استمرت أمريكا برعاية الكيان وأصبح الربط بينهم عضوي كما يروي البعض وكما نرى في الكثير من الاحيان , ولكن ونحن نلمس اليوم حالة من التبدل الواضح في واقع البراديغم الدولي وشكلاً جديداً متحولاً في الكونسورتيوم الدولي ومراجعة جديّة لموازين القوى الدولية , هل سيكون هناك في هذا الانتقال سواء كان سريعاً أم متدرج ثباتاً في الاستثمار في أدوات الهيمنة نفسها وفي مقدمتها “اسرائيل”…؟
أخيراً وفي العودة للمبدأ الفيزيائي البسيط المرتبط بقوى الفعل ومقاومته ورد الفعل نستنتج أن التصاعد المتواتر في فعل الكيان قد وصل لمراحل ذروة التشغيل الكامل لكل مفاصل الحركة وهنا ندرك أن حالة التشغيل في مثل هذه الحالة تعني أن هناك تنبيهاً جديّاً بخطر وجودي فعلي نتيجة مجموعة من العوامل كان قد تنبه لها كل قادة الكيان تاريخياً و رغم كل الجهود للتعاطي معها و إحباطها فقد مُنيت بالفشل لأنها شبكة من العوامل الطبيعية والتاريخية والسياسية والديموغرافية والانسانية وغيرها الكثير قد أفرزت نفسها تلقائيا وتجلت بأوجه عدّة منها { عالمية القضية الفلسطينية – الخلل الديموغرافي في المجال الحيوي للكيان داخلياً وفي المحيط – تعاظم القوى الواعية بحقيقة فكرة رفض وجود الكيان والتعبير عن نفسها بطرق مختلفة والكثير أيضاً من الصور والتجليات الواضحة } .
وهذا كله يدفعنا يقيناً ومنطقاً لنقول أننا بعد 78 عاماً لا مكان لنكبة أخرى الآن أو مستقبلاً و أننا أمام سؤال جدّي واستراتيجي نواجه به أنفسنا , هل نحن قادرين وفق هذا المقتضى على بناء استراتيجيتنا عربياً واقليمياً….؟
