د. لينا الطبال
“مع فجر كل يوم، كانت أمي تقطع لي وعدا بأنني سأصبح يوما ما رجلا عظيما… لكنها لم تخبرني أن الضريبة هي أن أعيش وحيدا في مواجهة العالم” – رومان غاري، “وعد الفجر”.
يا له من فجر يا جورج… ويا لها من ضريبة.
دعني اليوم استعير “وعد فجر” “رومان غاري” لأتحدث عن الحب… حب الأرض. لقد انتظرك الوطن طويلا، مثل بطل آت اليه من المستقبل، يحمل في ملامحه هويتنا.
لو كان جورج إبراهيم عبد الله في بلد آخر يقدس الصمود، لربما اصبح رئيسا للجمهورية، متوجا بصبره الأسطوري. لكنه
وبقوة الحق لا بمرسوم منكم، هو رئيس لوطن حقيقي…
نعم، هو رئيس لوطن يسكن في صمود أهله، وفي عناد جباله، وفي كبرياء ناسه الذين لم يركعوا. أنتم تملكون الأوراق والطعون، وهو يملك السيادة على قلوب الملايين في هذا الوطن الصغير بحجمه، العظيم بجورج إبراهيم عبد الله.
لذلك… استمروا في ملاحقة ظله بقراراتكم الورقية، واتركوا لنا الرئيس الذي لم يساوم، الرجل الذي عاد ليخبرنا أن لبنان، رغم كل شيء، لا يزال وطن الاحرار.
هذا ليس مقالا حول ثغرة قانونية، ولا تشريحا لاجتهاد قضائي، ولا حتى عن قصور في “السيستم” الفرنسي. هذا المقال عن مراهقة دولة عظمى قررت أن تمارس الكيد السياسي، وعن رجل تم اعتقاله أربعين عاما فخرج ليجد أنهم هم من لا يزالون خلف قضبان حقدهم.
اليوم، قررت محكمة التمييز الفرنسية إعادة ممارسة العبث القانوني. وبعد كل هذه الأعوام من التنكيل برجل لم تثبت عليه تهمة سوى عقيدة الصمود. اليوم، استيقظت المحكمة من غيبوبتها لتقول “عفوا، لقد أخطأنا في الحساب!”…
لكن، دعونا ننعش ذاكرة القضاة في باريس قليلا، أولئك الذين يرتجفون من كلمة ‘”إرهاب” كلما ورد ذكر جورج إبراهيم عبد الله… إن التاريخ سخرية كبرى، أليس كذلك؟
نعم، شارل ديغول كان “إرهابيا” في دفاتر النازية، ونيلسون مانديلا قضى عقودا خلف القضبان بوصفه “خطرأً على أمن الدولة”. الفرق الوحيد أن ديغول صار رمز لجمهورية تحاكم جورج اليوم، ومانديلا نال اعتذار العالم.
أما جورج، فهو القاضي الذي يحاكم ضميركم الميت، ويرفض منحكم صكّ الغفران بكلمة اعتذار واحدة.
أما زلتم تلاحقون تاريخا يرفض الانصياع لمساطركم القانونية العرجاء؟
ديغول ومانديلا وجورج.. الثلاثة مروا من زنازين “الإرهاب” ليدخلوا كتاب الخلود، بينما ستبقى أسماء قضاتكم مجرد حواش باهتة في قضية خسرتموها أخلاقيا منذ اليوم الأول.
دعونا نوضح ما حصل ببساطة مستفزة: لقد تم تنفيذ الحكم. تمّ الإفراج، تمّ الترحيل،
وجورج إبراهيم عبد الله تنفس هواء بيروت…
قانونيا تمّ وضع النقطة في آخر السطر وجف الحبر… لكنهم في باريس، قرروا فجأة مراجعة هذه النقطة. كم هو مضحك!… يحاولون استرداد “الفجر” الذي بزغ رغم أنف زنازينهم…
في ردهات قصر العدالة الباريسية، ثمة غيبوبة قضائية لا تريد أن تنتهي، فقد استيقظت المحكمة لتمارس طقوس السحر الأسود السياسي وتعود لاستحضار أرواح قرارات من الماضي. كأن الزمن إجراء يمكن الطعن فيه، او كأن القانون آلة زمن تملك هي مفاتيحها.
لكن الحقيقة تصفعهم مجددا: في فيزياء الكرامة، كما في “فيزياء الكمّ” لا يمكنكم العودة إلى الماضي، المستقبل هو الوجهة الوحيدة، وجورج إبراهيم عبد الله هو الوحيد الذي امتلك تذكرة العبور إليه وبقيتم أنتم عالقين في ركام الماضي.
حماقة سوداء بامتياز…
اسمح لي يا رفيقي أن أعترف لك بشيء لا تعرفه عني: أنا لم أتصالح مع هذا الوطن إلا عندما قابلتك وحدثتك. أنا لم أتصالح مع نفسي المتعثرة الا حين استمديت القوة منك. كنت السند الذي يشدّ عزيمتي في كل مرة شعرت فيها بالإحباط. وما زلت تصرّ بصبرك العجيب على ترميم إرادتي كلما أوشكت على الانهيار، وتمنحني من شموخك ما يكفي لأقف من جديد وأواجه هذا العالم بكل سوءه…
أنت لم تخطئ حين صمدت… نحن الذين أخطأنا، ونحن الذين تعثرنا بواحد وأربعين عاما من التيه لنستوعب الدرس الاهم، لنفهم أخيرا أن الحرية هي عناد صلب، يسكن في زنزانة ضيقة في “لانيميزان”، زنزانة تبلع مساحتها تسعة امتار فقط، تصفها لي وتضحك… تسعة أمتار يا جورج، كانت كافية لتبتلع كبرياء دولة عظمى.
نحن يا جورج، بكل مؤسساتنا، وصمتنا المريب، وعجزنا الفادح، نحن من تأخرنا عن اللحاق بك. الوطن نفسه … هو الذي تأخر عنك… تعثر في تيهه بينما كنت أنت تمشي واثقا نحو الفجر.
أنت لم تتوقف يوما، مازلت تقوم بمهمتك وحيدا، تدفع من سنوات عمرك ضريبة شرفنا الجماعي. لقد كنت في عتمة زنزانتك أكثر وضوحا منا جميعا في شمسنا الزائفة، وأكثر التصاقا بتراب الأرض وأكثر حرية من مدن كاملة.
نحن الذين احتجنا واحد وأربعين عاما لنفهم درسا بسيطا:
أن الانحناءة الأولى هي الهزيمة الأخيرة.
انظر الينا يا جورج، الى هذا الجيل الجديد … انظر إلى هؤلاء الأطفال المبهورين بك. هؤلاء الذين لم يقرأوا عنك في كتب التاريخ المدرسية الممسوخة، رأوا فيك البطل الخارق الحقيقي الذي لا يحتاج إلى رداء طائر.
لقد تمّ محاكمتك دون اي دليل مادي واحد، واكتفت المحكمة بجريمة واحدة: أنك لم تنكسر، عاقبوك على نوايا صمودك التي أرعبتهم. وتواطأت الصحافة آنذاك لتفصيل متهم على مقاس أجندات سياسية عابرة للقارات…
اليوم، بعد كل هذا الزمن، اسمعوا هذا جيدا: حتى لو اجتمعت كل محاكم التمييز في هذا العالم، لن تستطيعوا “تمييز” سواد كيدكم السياسي عن بياض شعر جورج إبراهيم عبد الله الذي غزا طفولتنا وشبابنا وهو خلف قضبانكم.
انتم اليوم تصارعون طواحين الهواء. تلهثون خلف أثر رجل كسر أقفالكم وغادر زنزانته وغادر حدودكم قانونيا وأخلاقيا.
هل تسمحون لي، يا سادة الرداء الأسود ان اذكركم ببديهيات نسيتموها؟
أما آن لكم ان تبحثوا عن عدالة لا تخجل من نفسها؟؟
لأنكم عدالة متأخرة… نعم، انتم سلاحف عدالة متأخرة دائما، والعدالة المتأخرة هي بحد ذاتها ظلم مكتمل الأركان.
في فقه القانون الذي تدعون حمايته، التنفيذ هو نقطة اللاعودة. سأعيدها على مسامعكم بلغة قانونية مبسطة، حتى لو اعتبرت محكمة التمييز أن قرار محكمة الاستئناف كان خاطئا، فإن الحكم الذي جرى تنفيذه لا يمكن استرجاعه، لأن التنفيذ في القانون هو نقطة اللاعودة… نقطة. انتهى.
اكتبوا ما شئتم من قرارات، ووقعوا ما طاب لكم من طعون ضد الماضي، فجورج إبراهيم عبد الله لم يعد يسكن في نصوصكم الميتة، لقد صار “الفجر” الذي لا يملك أحد استرداده.
شكراً لك يا جورج لأنك انتظرتنا، وشكرا لأنك جئت من المستقبل لتخبرنا أن “الفجر”، مهما تأخر، لا يخلف وعده للأحرار.
نحن الذين تأخرنا.. أما أنت، فقد وصلت دائما وحيدا وصامدا في موعدك مع التاريخ.
اكاديمية وباحثة – باريس
