عندما يخرج الجني من القمقم

الكاتب: سائد عسّاف
التاريخ: 26 مارس 2026
تسارع الأحداث في غرب آسيا يشير إلى أن الحرب دخلت مرحلة يصعب التحكم بها. فإذا لم تتوقف المواجهة وفق شروط تضمن أمن ومصالح إيران، فإن مسارها سيتجه نحو مزيد من الانفلات، وستتوسع رقعتها من بحر قزوين إلى المحيط الهندي، لأن الجغرافيا هنا ليست خطوطًا على خريطة، بل شبكة مترابطة من ساحات الصراع والقوى الفاعلة.
في هذه المنطقة تنتشر تشكيلات قتالية غير تقليدية يتجاوز عدد أفرادها أكثر من خمسة ملايين مقاتل. هؤلاء لا ينتمون إلى جيوش نظامية، لكنهم يمتلكون خبرة واسعة في الحروب الحديثة، وقدرة عالية على الحركة، وصلابة نابعة من ارتباطهم ببيئاتهم الاجتماعية. هم جزء من معادلة إقليمية أوسع، ويُنظر إليهم كعامل مؤثر في أي تصعيد، ما يجعل أي مواجهة مباشرة معهم معقدة وغير قابلة للضبط.

الأهداف الإيرانية كما تعكسها شروط وقف إطلاق النار

تُقدَّم الأهداف الإيرانية باعتبارها مرتبطة بالأمن القومي وبإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية:

تقليص الوجود العسكري الأمريكي في غرب آسيا، وهو هدف تقول طهران إنها قطعت شوطًا كبيرًا في تحقيقه.

إضعاف القدرات الإسرائيلية وإطالة أمد المواجهة بما يغيّر حسابات الحلفاء الإقليميين.

استثمار الحرب لرفع العقوبات التي استمرت 47 عامًا.

الحصول على تعويضات مالية عن الأضرار الاقتصادية والسياسية التي لحقت بإيران.

إعادة تعريف وضعية مضيق هرمز ليصبح ممرًا يخضع لسيطرة إيرانية أكبر.

تعزيز نفوذ القوى المتحالفة معها عبر توسيع قاعدتها الاجتماعية والسياسية.

هذه الأهداف تُطرح في الخطاب الإيراني باعتبارها دفاعية ومرتبطة بالسيادة، في مقابل الرواية الأمريكية التي تُقدَّم بلغة مختلفة.

الرواية الأمريكية بين الخطاب الرسمي والتفسير الواقعي

الولايات المتحدة تصوغ أهدافها بلغة تتحدث عن الاستقرار والنظام الدولي، لكن كثيرًا من التحليلات تشير إلى تفسيرات مختلفة:

الحديث عن استقرار طرق الطاقة يُفسَّر غالبًا بأنه سعي للسيطرة على مسارات الطاقة العالمية.

حماية الحلفاء تُقرأ أحيانًا كتمكين لبعض القوى الإقليمية من توسيع نفوذها.

منع القوى المعادية من السيطرة على المناطق الاستراتيجية يُقابله رأي واسع يرى أن واشنطن نفسها هي القوة الأكثر حضورًا في تلك المناطق.

النظام الدولي القائم على القواعد يُنتقد بسبب تطبيقه الانتقائي.

التحول الأمريكي نحو التهديد بوضع جنود على الأرض

خلال الأسابيع الأخيرة، بدأت الولايات المتحدة تتحدث وتلوّح بإمكانية نشر قوات برية في بعض مناطق الصراع. هذا التوجه، إن حدث، يُنظر إليه في كثير من التحليلات على أنه سوء تقدير كبير، لأن إدخال قوات برية في بيئة معقدة كهذه قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التصعيد.
وقد عبّر وزير الخارجية الإيراني عن هذا المعنى بوضوح عندما قال:
«نحن بانتظارهم».
وهي عبارة تحمل رسالة سياسية مفادها أن أي دخول بري سيغيّر طبيعة المواجهة، ويضع الولايات المتحدة أمام تحديات مختلفة تمامًا عن تلك التي تواجهها في الجو والبحر.

الأرض… الساحة التي تغيّر قواعد اللعبة

المؤشرات الحالية توحي بأن إيران لا تتجه نحو حلول مرحلية، ولا نحو العودة إلى ما قبل الحرب. وبعد مرحلة استهداف مراكز الاتصالات والرادارات وغرف العمليات، واستنزاف جزء من القدرات الدفاعية لدى خصومها، يبدو أنها تستعد للانتقال إلى مرحلة مختلفة نوعيًا.
التحليل المرجّح أن الصراع قد ينتقل تدريجيًا إلى ساحة الحرب البرية غير المتناظرة، وهي الساحة التي تمتلك فيها القوى المتحالفة مع إيران خبرة طويلة، وامتدادًا جغرافيًا واسعًا، وعمقًا اجتماعيًا وسياسيًا يجعل الأرض نفسها عنصرًا فاعلًا في المواجهة.

لماذا المرحلة البرية هي الأخطر على الولايات المتحدة؟

في الحرب البرية، لا تمتلك الولايات المتحدة ولا إسرائيل التفوق نفسه الذي تتمتعان به في الجو والبحر. الحرب غير المتناظرة، إذا امتدت زمنيًا، قد تشكل ضغطًا كبيرًا على الجبهات الداخلية، وتحدّ من القدرة على تحقيق أهداف سياسية واضحة.
وإذا كانت الجولة الأولى من الصراع الجوي والتقني لم تحقق الأهداف المعلنة، فإن الدخول في مرحلة برية قد يحمل مخاطر استراتيجية كبيرة، ويجعل من الضروري إعادة تقييم الخيارات قبل الاقتراب من هذا المسار.

الخاتمة

الجني خرج من القمقم، والمنطقة دخلت مرحلة يصعب التحكم بها. إيران تتحرك وفق رؤية طويلة المدى، والولايات المتحدة تواجه بيئة لا تشبه الحروب التي خاضتها سابقًا. وإذا اختارت واشنطن الدفع بقوات برية إلى الميدان، فإنها ستدخل ساحة تختلف قواعدها، وتتحكم فيها عوامل اجتماعية وجغرافية وسياسية معقدة.
المرحلة المقبلة ليست اختبار قوة فحسب، بل اختبار فهم. ومن لا يدرك طبيعة هذه الأرض… قد يجد نفسه أمام نتائج لا يمكن احتواؤها.