شموع في العتمة: حين تتحوّل المسيرة إلى موقف سياسي
شموع الحمرا: حين يتحوّل الضوء إلى موقفٍ… والشارع إلى ساحة تعريف لبنان
كتبت د.نبيلة عفيف غصن
في لحظةٍ تبدو فيها البلاد مثقلةً بالعدوان، ومشدودةً إلى حافة القلق، لم تأتِ “مسيرة الشموع” في الحمرا، عند ساحة الشهيد خالد علوان، كفعلٍ رمزي عابر، بل كاختبارٍ حيّ لمعنى الانتماء وحدود الموقف. هناك، حيث تختلط الذاكرة بالسياسة، لم تكن الشموع إنارةً لليل بيروت فحسب، بل إعلانًا واضحًا: لبنان لا يُختصر بسلطة، ولا يُعرَّف بوجوهٍ عابرة، بل بمن يثبت حين تهتزّ الأرض.
ما جرى لم يكن تجمّعًا وجدانيًا، بل فعلًا سياسيًا بامتياز. النزول إلى الشارع، في زمن القصف والارتباك، يضع كل مشارك أمام سؤالٍ لا يحتمل المواربة: أين تقف حين تُستهدف الأرض والكرامة؟ وفي الحمرا، جاء الجواب صريحًا، خارج المنطقة الرمادية: لا حياد بين معتدٍ ومعتدى عليه، ولا مساواة بين من يقصف ومن يصمد.
في هذا السياق، يكتسب حضور الحزب السوري القومي الاجتماعي دلالته التي تتجاوز المشهد نفسه. لم يكن استعراضًا، ولا محاولة تسجيل موقف إعلامي، بل إعادة تثبيت لموقعٍ تاريخي: موقع الانخراط المباشر في لحظات الصراع. فالشارع هنا ليس جغرافيا، بل مساحة اشتباك معنوي، تُقاس فيها صدقية الأفكار بمدى ترجمتها إلى حضور.
شموع الحمرا لم تكن ضوءًا خافتًا، بل نارًا سياسية. نار كشفت المستور، وعرّت خطاب “الحياد” الذي يُستخدم ستارًا للتواطؤ أو الهروب. في لحظةٍ يُقصف فيها لبنان، لم يعد مقبولًا أن يقف أحد على الحافة: إمّا مع حق هذه الأرض في الدفاع عن نفسها، أو شريكٌ بالصمت في العدوان.
لكن الأخطر، والذي حاولت هذه المسيرة كسره، هو ذلك المسار الخفي الذي يدفع البلاد نحو الداخل. إعادة إحياء خطاب الاقتتال الأهلي، ضخّ الشك بين اللبنانيين، وتصوير الخطر وكأنه كامن في الجار لا في العدو—كلها ليست صدفة، بل محاولة لإعادة توجيه البوصلة. وما قيل في الشارع، وما عبّرت عنه الهتافات، كان واضحًا: لن ننجرّ إلى هذه اللعبة.
رفض الاقتتال الداخلي هنا ليس موقفًا أخلاقيًا فقط، بل خيارًا استراتيجيًا. لأن أي صراع داخلي هو الهدية الأكثر سخاءً للعدو، وأسرع الطرق لكسر ما لم يُكسر بالقوة. ومن هنا، يصبح التمسك بوحدة الموقف—بل وحتى “وحدة السلاح” كما طُرح—تعبيرًا عن وعي بأن التشتت هو بوابة الهزيمة.
ما جرى في الحمرا يمكن قراءته أيضًا كوصلٍ حيّ بين العقيدة والممارسة. الفكرة التي ترى أن الصراع ليس حدثًا طارئًا بل حالة مستمرة، وأن الأرض وحدة حياة لا تتجزأ، وجدت ترجمتها في هذا النزول. لم تكن الشموع طقسًا عاطفيًا، بل إعلان تعبئة: نحن هنا، في قلب المدينة، نرفض، ونواجه، ونسمّي الأشياء بأسمائها.
ومع ذلك، فإن قيمة هذه المسيرة لا تكمن في لحظتها فقط، بل في ما بعدها. فهي ليست بديلاً عن مسارٍ طويل، بل مؤشر عليه. في زمن التفكك، يصبح أي فعل جامع ذا قيمة مضاعفة. وفي زمن الخوف، يصبح النزول إلى الشارع بحد ذاته كسرًا لحاجز الصمت. أما في زمن إعادة رسم الخرائط، فإن شمعة قد تكون بداية خطٍ سياسي جديد.
بيروت، التي كثيرًا ما عكست تناقضات لبنان، قدّمت في تلك الليلة صورة مختلفة: مدينة لا تكتفي بالمشاهدة، بل تختار موقعها. مدينة تقول إن فيها من لم ينحنِ، من لم يساوم، من لم يبتلع صوته.
لم تكن مسيرة الشموع حدثًا عابرًا. كانت لحظة رسم خط فاصل:
بين من يريد لبنان خائفًا، متنازعًا، مُنهكًا…
ومن يصرّ على أن يكون لبنان واقفًا، رافضًا، ومقاومًا بما يملك من وعيٍ وإرادة.
مشروع يريد شعباً خائفاً مطواعاً، ومشروع يصنع شعباً يقف، يرفض، ويقاتل بما يملك من وعي وإرادة…..
وبين عتمة العدوان وضوء الشموع، لم يُرسم الفرق بين ليلٍ ونهار فقط…
وبين ركامٍ يتكدّس وضوءٍ يشتعل، يتحدد الفارق بين من يكتفي بالمشاهدة، ومن يختار أن يكون جزءاً من المشهد….
