لا لتجريم التضامن مع القضية الفلسطينية

بقلم:جعفر التونسي

في ظل ما يُنظر إليه كمرحلة من تصاعد الهيمنة الأمريكية أو إنقاذ ما تبقى من هذه الهيمنة، ولا سيما في سياق الحرب الأخيرة المرتبطة بالمواجهة بين الكيان الصهيوني والولات المتحدة وإيران، خضعت العديد من الدول العربية لضغوط سياسية وأمنية متزايدة. وقد استُخدمت إيران في بعض الخطابات الرسمية والإعلامية كـ«فزاعة» لتبرير سياسات التضييق الداخلي وقمع الأصوات الداعمة لفلسطين.

تونس، تغيير أم توضيح؟

في هذا السياق يُطرح سؤال حول ما إذا كان الموقف التونسي قد شهد تحولًا أم أنه ظل على حاله. فبعد عودة أعضاء أسطول الصمود العالمي إلى تونس، برزت على وسائل التواصل الاجتماعي حملة تشويه اتهمت بعض المشاركين بـ«الاستيلاء على أموال المتبرعين». غير أن هذه الاتهامات لم تُدعَم بأدلة قوية، أو على الأقل لم تظهر دلائل واضحة تدين الأشخاص الذين طالتهم إجراءات الإيقاف. وقد أدت هذه الحملة إلى توقيف عدد من الناشطين المرتبطين بالأسطول، من بينهم وائل نوار، نبيل الشنوفي، الحكيم بالنور، جواهر شنة، سناء المساهلي، إضافة إلى الغسانين البوغديري والهنشيري، حيث تم إيقافهم لمدة خمسة أيام قبل أن تُمدَّد فترة الاحتفاظ مرة أخرى.

ويثير هذا التطور تساؤلات لدى بعض المراقبين، خاصة أن الخطاب الرسمي التونسي يظل في الظاهر مؤيدًا للقضية الفلسطينية؛ إذ سمحت السلطات بمرور أسطول الصمود، ولم تُقمع المسيرات الشعبية الداعمة لفلسطين كما حدث في بعض الدول العربية الأخرى، كما تستضيف تونس شخصيات وقيادات فلسطينية. في المقابل، يرى آخرون أن هذا التباين ليس جديدًا، إذ تبقى تونس حليفًا رسميًا لكل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ولها كذلك مصالح سياسية واقتصادية مع دول الخليج. ويُضاف إلى ذلك الرفض الرسمي سابقًا لمشروع قانون يجرّم التطبيع مع الكيان الصهيوني بدعوى اعتبارات الأمن القومي، فضلًا عن استمرار بيانات وزارة الخارجية التونسية في اعتماد الصياغات الدبلوماسية التقليدية التي لم تشهد تغيرًا جذريًا حتى في عهد الرئيس الحالي.

موجة اعتقالات في الأردن

لم تكن الإيقافات في الأردن أمرًا مستغربًا؛ فهي ظاهرة مستمرة تكاد تتحول إلى قاعدة، وقد تزايدت وتيرتها بشكل ملحوظ منذ السابع من أكتوبر. غير أن ما يلفت الانتباه هذه المرة هو تزامنها مع التطورات الجارية في المنطقة، حيث يُلاحظ توظيف الضربات الإيرانية على المنشآت الأمريكية كذريعة لتبرير هذه الإجراءات.

وفي هذا السياق، أُوقف في الأردن عضوا المكتب السياسي للحزب الشيوعي الأردني، الدكتور عمر عواد والناشط أسامة أبو زين الدين، من دون تقديم مبررات قانونية واضحة أو توضيح أسباب الاعتقال. وقد اعتبر الحزب أن توقيف قياداته يشكل «محاولة بائسة لثني الحزب عن مواقفه السياسية»، مؤكدًا أن العمل الحزبي والسياسي حق دستوري لا يجوز المساس به، وأن هذه الإجراءات تمثل اعتداءً على الدستور الأردني وانتهاكًا للالتزامات الدولية المتعلقة بالحريات العامة وحقوق الإنسان.

لبنان الجديد

تزامنت الاعتقالات الأخيرة في لبنان مع تحوّل ملحوظ في مقاربة الدولة لملف المقاومة ودور حزب الله في المعادلة الأمنية والسياسية. فقد أوقفت مخابرات الجيش اللبناني مغني الراب جعفر الطفار بعد نشره مقطعًا ينتقد مواقف جوزاف عون ونواف سلام من العدوان “الإسرائيلي” على لبنان، في حين أوقفت قوى الأمن الداخلي اللبنانية مراسل قناة المنار علي برو بناءً على إشارة من جمال الحجار بعد تصريحات انتقد فيها قرار الحكومة حظر النشاط العسكري للحزب. ويقرأ بعض المراقبين هذه الإجراءات في سياق مناخ سياسي جديد يتسم بتشديد الرقابة على الخطاب الإعلامي والسياسي المرتبط بالمقاومة، خصوصًا في ظل توجه رسمي لإعادة ضبط المجال الأمني والعسكري للدولة وتقييد الفاعلين غير الرسميين. وبذلك تبدو هذه الاعتقالات بالنسبة إلى منتقديها مؤشرًا على تحوّل في طريقة تعاطي السلطة اللبنانية مع الخطاب المؤيد للمقاومة، في مرحلة تتزايد فيها الضغوط الإقليمية والدولية على بيروت لنزع سلاح المقاومة.

تلك الإيقافات لن تُطفئ لهيب القضية الفلسطينية.

فمهما تصاعدت الموجات الأمنية وتكاثرت إجراءات التضييق، فإن الأنظمة العربية الرسمية تدرك في قرارة نفسها أنه لا الاعتقالات، ولا القيود المفروضة على التعبير، ولا الارتهان للعلاقات مع الولايات المتحدة، ولا حتى مسارات التطبيع، قادرة على حجب حقيقة الجرائم التي يرتكبها الكيان الصهيوني في غزة وفلسطين ولبنان وإيران أو صرف الأنظار عنها.

إن التضامن مع فلسطين ليس جريمة، بل هو تعبير أخلاقي وإنساني عن رفض الظلم والاستعمار والعنف الممنهج ضد شعبٍ يُناضل من أجل حقه في الحياة والحرية والكرامة. فالقضية الفلسطينية لم تكن يومًا مجرد ملف سياسي عابر، بل هي قضية ضمير عالمي، وكل محاولة لإسكات الأصوات المتضامنة معها لن تؤدي إلا إلى اتساع دائرة الوعي بها وترسيخ حضورها في الوجدان العربي والإنساني.

فالصوت الذي يطالب بالعدالة لا يمكن اعتقاله، والوعي الذي يتشكل حول المأساة الفلسطينية لا يمكن مصادرته. لذلك ستظل فلسطين حاضرة في الوعي والوجدان، وسيبقى التضامن معها فعلًا مشروعًا، بل واجبًا أخلاقيًا في مواجهة الظلم.