إيران وصياغة شرق أوسط جديد
كتب ناصر قنديل
لا يمكن فصل كلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن قرب انتهاء الحرب عن ضغط سوق الطاقة وبلوغه العتبة الحرجة، ولا عن ما دار بينه وبين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي قال إنه عرض أفكاراً تشاور حولها مع قادة دول الخليج، فيما قال نائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي الذي يترأسه بوتين، فلاديمير ميدفيديف، “إن الطريقة الوحيدة لوقف التصعيد في الشرق الأوسط هي إنهاء الوجود العسكري للقوات الأجنبية”، كما لا يمكن فصل هذا النزول المتأرجح عن شجرة التصعيد عن اعترافات أميركية وازنة وعلنية بالقلق من الاقتراب من لحظة خطيرة في مخزون الذخائر الدقيقة وخصوصاً الدفاعات الجوية.
اختيار ترامب وحليفه في الحرب بنيامين نتنياهو لخطة قطع الرؤوس كطريق لضرب تماسك النظام الإسلامي في إيران ومنعه من التحرّك بفاعلية، واستنهاض الشارع المعادي للنظام لتولي إكمال المهمة، كان اعترافاً بالحاجة لخطة حرب سريعة بسبب العجز عن تحمل كلفة حرب طويلة تخرج عن السيطرة ثم تتحوّل لصالح إيران، لكن هذه الخطة حرجة فإذا لم تنجح من اليومين الأولين فقدت الاندفاعة وتحولت الحرب إلى استنزاف مهما بدت الضربات التي تتلقاها إيران شديدة القسوة، لأنها بلا أفق سياسي.
في الحروب الكبرى توجد قاعدة بسيطة: الحرب التي تفشل في تحقيق هدفها الأساسي لا تملك عادة فرصة تحقيق نصر بديل. فإذا كان الهدف المعلن هو إسقاط النظام أو فرض الاستسلام، ولم يتحقق أي منهما، يصبح من الصعب تحويل مسار الحرب فجأة إلى “انتصار”. قد تتغير العناوين وقد تتبدل اللغة السياسية، لكن ميزان الوقائع يبقى حاكماً. ولذلك عندما تصل الحرب إلى هذه النقطة يبدأ البحث عن المخرج السياسي، لأن الاستمرار في القتال لا يغيّر النتيجة بل يزيد كلفة الفاتورة.
لقد خُطط للحرب على إيران باعتبارها عملية ضغط قادرة على كسر الإرادة السياسية أو إضعاف النظام. لكن ما ظهر في مسار الأحداث يوحي بأن إيران كانت تملك خطة مضادة إلى جانب وصفة الصمود وإعادة بناء النظام وهياكله بسرعة من جهة، واستنهاض الوطنية الإيرانية لحماية الوحدة الداخلية من جهة أخرى. فقد أدركت أن كلمة السر ليست “إسرائيل” وحدها بل الخليج، حيث تتركز العقد الأساسية للنظام الاقتصادي والعسكري الأميركي: مضيق هرمز، القواعد العسكرية، البنية اللوجستية، ومراكز البيانات والاستثمارات العالمية. هنا تصبح كلفة الحرب مضاعفة، لأن أي اضطراب في الخليج ينعكس فوراً على الاقتصاد العالمي. ومع انتقال الضغط إلى هذه الجغرافيا بدأت الجيوش الغربية تستهلك مخزوناتها الدفاعية بسرعة، بعدما تبين أن جزءاً مهماً من المخزون الاستراتيجي الأميركي موزع أصلاً في هذه المنطقة لخدمة مسارح العمليات العالمية. عند هذه اللحظة يقترب القرار الأميركي من حافة الخروج الإلزامي من الحرب، لأن استمرارها يعني استنزاف موارد صُمّمت أصلاً لسيناريوهات أخرى.
الخليج ليس ساحة الحرب بل قضيتها، وهويته وانتشار القواعد الأميركية والأساطيل الأميركية فيه هو الأهم، القواعد الأميركية في الخليج ليست مجرد قواعد لحماية المنطقة، بل هي جزء من منظومة قيادة عالمية مترابطة. منذ حرب الكويت وصولاً إلى بداية الألفية، وخاصة بعد حربَي العراق وأفغانستان، حيث أعادت الولايات المتحدة تنظيم انتشارها العسكري بحيث تؤدي قواعد الخليج وظائف مختلفة داخل نظام قيادة عالمي واحد يربط الشرق الأوسط بأوروبا وآسيا. القواعد الأميركية في الخليج تعمل وفق نموذج توزيع الأدوار الوظيفية داخل منظومة القيادة والسيطرة. أي أن كل قاعدة ليست مستقلة، بل تشكل عقدة متخصصة في شبكة أكبر. مثال ذلك: قاعدة العديد في قطر تعمل كمركز قيادة جوية وعمليات مشتركة يدير العمليات الجوية في مساحات تمتد من أفغانستان سابقاً إلى شرق المتوسط مقرّ الأسطول الخامس في البحرين يشرف على العمليات البحرية في الخليج وبحر العرب والمحيط الهندي. قواعد الكويت والإمارات تمثل مراكز لوجستية وتموينية ضخمة لنقل القوات والذخائر بين المسارح المختلفة. مواقع رادارية في السعودية وقطر والإمارات مرتبطة بنظام إنذار مبكر للصواريخ يغطي الشرق الأوسط وجنوب آسيا، ولعل الخاصية الأهم لهذه الشبكة أنها ليست إقليمية فقط. فأنظمة القيادة والسيطرة فيها مرتبطة مباشرة بمراكز القيادة الأميركية العالمية، ما يسمح بمتابعة العمليات في مسارح بعيدة مثل: الحرب في أوكرانيا من خلال أنظمة الإنذار المبكر والرصد الفضائي المرتبطة بالمراكز الأميركية، التوازن العسكري في المحيط الهادئ وتايوان عبر شبكات الاستشعار والاتصال العالمية، أي أن الخليج أصبح بمثابة محطة مركزية في شبكة القيادة العسكرية الأميركية العالمية.
بالتوازي تحول الخليج في زمن ثورة المعلومات الرقمية أحد أهم مراكز تخزين البيانات والنسخ الاحتياطي والأرشيف الرقمي المرتبط بالعمليات والشركات الغربية في المنطقة، بما في ذلك أجزاء من البنية المعلوماتية المرتبطة بالقطاعين الأمني والعسكري. وفي مدن الخليج عدد كبير من مراكز البيانات (Data Centers) المرتبطة بشبكات الألياف الضوئية العالمية. وعلى سبيل المثال مقارنةً بكثير من مناطق الشرق الأوسط، تُعد دبي بيئة آمنة لتخزين البيانات الحساسة. حيث تمر عبر الإمارات كابلات بحرية رئيسية تربط أوروبا وآسيا وأفريقيا. مثل مايكروسوفت وأمازون وأوراكل وغيرها التي أنشأت مراكز بيانات إقليمية في الإمارات. ليس المقصود أن الأرشيف العسكري الأميركي الكامل محفوظ في دبي، لكن هناك ثلاثة أنواع من البيانات التي يُحتمل وجود نسخ منها في المنطقة: بيانات لوجستية وعملياتية مرتبطة بإدارة القواعد ونقل القوات. بيانات استخبارية تحليلية يتم تخزينها ضمن شبكات سحابية إقليمية. أرشيفات اتصالات ومراقبة مرتبطة بالشبكات التجارية والأقمار الصناعية.
أهم ما حدث هو أن الخليج ظهر منطقة مشكوكاً بها من حيث أمن تدفق الطاقة وسلاسة عقودها الآجلة وتجنب القوة القاهرة، وظهرت مكانة إيران كمرجعية أمنية ضرورية لتوثيق الأمن الخليجي بدلاً من الأساطيل الأميركية والقواعد الأميركية، كما ظهرت القواعد الأميركية عبئاً على الخليج ودوره الاقتصادي والجيوسياسي، حيث القواعد تحتاج للخليج كي يحميها بدلاً من أن تحميه، وخبرة أهل الخليج مليئة بوقائع التخلي الأميركي مقابل الحماسة الزائدة لخوض حروب “إسرائيل”، وجعل الخليج مسرحاً لهذه الحروب، كما يفهم من هذه الحرب التي بذل الخليج كل قدراته لدعوة واشنطن لتجنبها، وكانت كلمة بنيامين نتنياهو كافية لترجيح قرار ترامب بخوضها، أما مكانة الخليج في اقتصاد التكنولوجيا ففقدت الكثير من عناصر الجاذبية لأنها ترتبط عضوياً بدرجة الأمان، والأمن المطلق سقط بالضربة القاضية في الخليج خلال أيام وبسرعة.
في هذه المرحلة تبلغ أزمة الحرب النقطة المفصلية نحو بدء الحاجة للتراجع، فتظهر موسكو كوسيط طبيعي. حيث لا تدخل روسيا الصراع كطرف مباشر، لكنها تمتلك القدرة على فتح قنوات بين الخصوم، وتقديم أفكار لوقف الحرب ضمن إطار أوسع. الفكرة المطروحة ليست مجرد وقف إطلاق نار، بل البحث عن تسوية إقليمية شاملة تعيد ترتيب قواعد الأمن في الشرق الأوسط، وضمنها شكل الوجود العسكري الخارجي، أمن الممرات البحرية، وحدود الاشتباك بين القوى الإقليمية. مثل هذه التسويات لا تولد من فراغ، بل تأتي بعد أن تكشف الحرب حدود القوة لدى الجميع، وهذا ما فهمه العالم من اتصال ترامب ببوتين وما تلاه من كلام روسي.
الأكيد أن هذه التسوية لم تنضج بعد. والطبخة على النار كما يُقال، وقد نشهد جولات تصعيد قبل لحظة التفاهم الأخيرة. كثيراً ما يحدث ذلك في نهاية الحروب: تصعيد أخير قبل الانتقال إلى السياسة. ومع ذلك يبدو واضحاً أن الحرب التي بدأت وفق خطة عسكرية محددة انتهت عملياً، وحلّ مكانها سباق لإنضاج خطة التسوية باستخدام ما تبقى من أيام الحرب وقدراتها. وفي هذه المعادلة تخرج “إسرائيل” خاسرة في ميزان الوقائع، لكنها لن تقول ذلك بالطبع. سيُصنع خطاب نصر سياسي لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو تحت عناوين مألوفة: أبعدنا خطر الزوال، دمّرنا قدرات العدو، وأعدنا الردع. والأمر نفسه قد يقال في واشنطن، حيث سيُقدَّم وقف الحرب كجزء من مشروع أوسع لإعادة ترتيب الشرق الأوسط. لأن القوى الكبرى لا تعلن هزائمها، بل تعيد صياغتها في خطاب سياسي جديد.
قد نكون أمام شرق أوسط قيد الولادة. شرق أوسط مختلف كلياً عن ذلك الذي يبشر به نتنياهو، هنا يُعاد فيه تركيب التوازنات على قاعدة تفاهمات إقليمية أوسع، قد يكون جوهرها تقارب خليجي – تركي – إيراني برعاية روسية وصينية، مع شراكة أميركية في تثبيت الإطار العام. وفي المقابل ستُطرح حلول لجبهات لبنان وغزة لضمان عدم تجدّد الحرب، ضمن معادلة مزدوجة: أمن إسرائيل التقليدي من جهة، ومنع التوسع الإسرائيلي وتحجيم فائض القوة لديه من جهة أخرى.
هكذا تدخل المنطقة مرحلة فك وتركيب. فالحرب كشفت حدود القوة وأعادت رسم خطوط الخطر، وما يجري الآن ليس سوى المرحلة التي تسبق ولادة التوازن الجديد.
