لم تكن تعلم “هبة” مدى حالة العشق التي بينكم وبين هذه القواعد الصهيوأمريكية!
فرحة عارمة تملأ مواقع التواصل الاجتماعي بعد اعتقال الصحافية هبة أبو طه على خلفية دعمها لاستهداف إيران لقواعد صهيوأمريكية تحتل وطنها الأردن؛ هذه القواعد التي تعتبر وكراً للتآمر على فلسطين ولبنان والعراق وسوريا واليمن والوطن العربي كله، بل وعلى الأردن نفسه وسيادته ووحدته وجيشه وشعبه.
نشوة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي بعد أن تم إلقاء القبض على هبة؛ لأنها فرحت باستهداف هذه القواعد “المعصومة عصمة إلهية”. هذه القواعد التي يُخطط عبرها لابتلاع الأردن تحقيقاً لمشروع “إسرائيل الكبرى”، ألم تشاهدوا الخريطة التي بيد نتنياهو؟! ألم تستمعوا لتصريحات السفير الأمريكي “كافاني” وتصريحات غيره من القادة الصهيوأمريكيين؟
جاء في أحد التعليقات في قاع هذا الفضاء الافتراضي المزدحم بعد “تحقيق الانتصار” باعتقال هبة: “يحيا العدل”، وفي تعليق آخر: “وأخيراً تم إلقاء القبض على عدوة الوطن”، وفي منشور آخر: “اسحبوا جنسيتها”، وتعليقات تطالب لها بالسجن المؤبد، وتعليقات كثيرة لا أستطيع ذكرها لوضاعتها، من شتائم وذم وقذف وإساءات وهراء. لكن لفتني تعليق عنصري: “يلي مش من ترابها ما بيهمه خرابها.. وانتهى”، وقال “انتهى” هنا ليرينا أنه وصل بتعليقه إلى “ذروة العمق الفكري”.
كل هذه التعليقات تتمحور حول أنه تم إلقاء القبض على مَن آراؤها تريد حرمان الأردن من نعمة الأمن والأمان؛ حيث تعدُّ هذه من أبرز الذرائع التي يستخدمها المنبطحون والانهزاميون في معركتهم القديمة الجديدة التي يخوضونها لشيطنة المقاومة، زاعمين أنها حرمت بلادنا نعمة الأمن والاستقرار بسبب تهورها. وعلى صعيد آخر، يعتبر مصطلح “نعمة الأمن والأمان” من أبرز المصطلحات التي تطلقها الأنظمة العربية الرجعية في “البروباغندا” التابعة لها كوسيلة لتبرير التخاذل تجاه القضية الفلسطينية، حتى تؤتي هذه البروباغندا أكلها وينتهي الأمر بهذا النظام العربي بالتطبيع مع الكيان الصهيوني، والأمثلة كثيرة.
نفهم مما تقدم أن الأورام السرطانية التابعة لـ “الصهيوأمريكي” التي تتواجد في مناطق فيها تيارات مقاومة مشتبكة مع العدو كفلسطين ولبنان، تتبنى دائماً خطاب “المقاومة حرمتنا من نعمة الأمن والأمان”، أما التي تتواجد في مناطق خارج الصراع بشكله العسكري المباشر فخطابها هو: “انظروا إلى حال المناطق التي فيها تيارات مقاومة كيف حُرمت من نعمة الأمن والأمان”، لكي تغرق المواطن العربي في قاع الرجعية الذي بات مزدحماً للأسف. لكن لا يوجد أحد خارج الصراع، ولا يوجد أحد بمأمن، ولن ينعم أي قطر عربي بالأمان طالما الاحتلال الصهيوأمريكي بقواعده العسكرية المنتشرة بوطننا العربي ما زال موجوداً.
إن حركات المقاومة هي الأكثر حباً لنعمة الأمن والأمان والسلام، وإدراكها لحقيقة هذا العدو وخطره على المنطقة والأمن القومي العربي كان أبرز الأسباب التي جعلتها تختار طريق الكفاح المسلح؛ الطريق الوحيد القادر على تحقيق الأمن الحقيقي أمام عدو صهيوني يسعى جهاراً لتحقيق مشروعه التوسعي “إسرائيل الكبرى”.
وبالعودة لهذه القواعد العسكرية الموجودة في الأردن وغير الأردن، نجدها ما هي إلا احتلالٌ مقنعٌ يحقق الارتهان للسياسة الخارجية الأمريكية، حيث تجد الدول المستضيفة لها صعوبة في اتخاذ مواقف تتعارض مع التوجهات الاستراتيجية لواشنطن.
وتُعد هذه القواعد الصهيوأمريكية جزءاً من منظومة تضمن الحفاظ على “التفوق العسكري النوعي” للكيان الصهيوني في المنطقة، وتُستخدم أحياناً لتعطيل أي مشروع عربي يسعى لامتلاك قدرات دفاعية استراتيجية مستقلة، وهي التي يُعمل بها ليلاً ونهاراً لتنصيب نتنياهو إمبراطوراً للمنطقة العربية.
جاء في إحدى خطابات القائد الأممي سماحة الشهيد سيد المقاومة حسن نصر الله: “إن القاعدة العسكرية الأمريكية هي التي تمنع الشعوب من التحرر، وهي التي تفرض الإرادة الصهيونية على عواصمنا. لذا، فإن الهدف الاستراتيجي الذي يجب أن تعمل عليه كل قوى المقاومة والشعوب الحرة هو إخراج هذه القوات من منطقتنا، لأن بقاءها يعني بقاء الذل وبقاء القتل وبقاء التبعية.”
والمثقفة العضوية هبة – التي لا أعرفها شخصياً ولكنني لا أعرف غيرها – كانت مدركة تماماً لهذا، وحبها الشديد للأردن جعلها تفرح لاستهداف هذه القواعد التي يُخطط عبرها لابتلاعه.
كلنا هبة.. كلنا الأردن.. كلنا فلسطين.. كلنا يافا!
لن أبكي على هبة، لن أبكي إطلاقاً، سأبكي على هذا القاع المزدحم.
أبو الأمير – القدس
