في كل حرب تهزّ المنطقة، يخرج علينا جيش من المحللين يلوّحون بـ”مخططات أمريكا” و”مشاريع إسرائيل” و”خرائط التقسيم” و”الشرق الأوسط الجديد”، وكأننا أمام قدر سماوي لا يُرد. يعيدون تدوير الأدبيات نفسها منذ عقود، يغيّرون التواريخ والعناوين، لكن الجوهر واحد: نحن ساحة، والآخرون هم اللاعبون الوحيدون.
المفارقة أن هذه “المخططات العظيمة” لم تنجح في إنتاج انتصار واحد مستقر منذ عشرات السنين. من العراق إلى أفغانستان، من لبنان إلى غزة، من سوريا إلى اليمن، تتنقل واشنطن وتل أبيب من مأزق إلى آخر، بينما يتآكل الردع، وتتراجع القدرة على فرض النتائج، وتزداد كلفة البقاء.
ومع ذلك، لا يزال البعض يتحدث عن “مشروعهم” كأنه حقيقة مطلقة، وعن “واقعنا” كأنه فراغ استراتيجي.
السؤال الذي يجب أن يُطرح بجرأة:
من يملك الخطة فعلاً اليوم؟ ومن يغيّر موازين القوى على الأرض؟
هذه الافتتاحية ليست دفاعاً عن طرف، بل محاولة لقراءة ما يجري بعيون باردة:
هناك مشروع أمريكي–إسرائيلي مأزوم داخليا واقليميا وعالميا، وهناك في المقابل مشروع إقليمي يتقدم بثبات، سواء أحب البعض ذلك أم كره.
أولاً: هزيمة النفوذ لا تعني نهاية أمريكا
من السذاجة تصور أن أي حرب في الشرق الأوسط ستنهي الولايات المتحدة كقوة عالمية. أمريكا ستبقى دولة كبرى، باقتصاد ضخم، وجيش قوي، ونفوذ عالمي واسع.
لكن هذا لا يمنع حقيقة أخرى: يمكن هزيمة نفوذها المهيمن في منطقة بعينها.
إيران لا تتحدث عن “إسقاط أمريكا”، بل عن إسقاط هيمنتها على مطقتنا غرب اسيا. الفارق جوهري:
الهدف ليس تدمير الدولة، بل تدمير القدرة على التحكم بالقرار الإقليمي.
ليس المطلوب إنهاء وجودها في العالم، بل إنهاء قدرتها على التصرف في المنطقة كقوة وصاية.
هذا التمييز مهم، لأنه يخرج النقاش من منطق الشعارات إلى منطق الاستراتيجية:
نحن أمام مشروع يستهدف النفوذ والهيمنة لا الوجود، فأمريكا مرحب بوجودها كما يتواجد الاخرون على اسس علاقات مصالحومشتركة ندية.
ثانياً: إيران تغيّر قواعد اللعبة مع حلفاء واشنطن
لأعوام طويلة، تعاملت إيران مع دول المنطقة الحليفة لواشنطن بسياسة “التغاضي المحسوب”. كانت تعرف حجم اشتراك بعضها في سياسات معادية لها، لكنها تتجنب الصدام المباشر، وتكتفي بإدارة الصراع مع المركز: الولايات المتحدة وإسرائيل.
في الحرب الحالية، تغيّر شيء جوهري:
إيران حذّرت هذه الدول مسبقاً من الانخراط في أي دور مباشر أو غير مباشر.
واستهدفت القواعد الأمريكية مباشرة منذ اللحظة الأولى.
هذا ليس انفعالاً، بل جزء من تصور جديد:
لا يمكن بناء إقليم مستقل بينما تستمر بعض دوله في لعب دور “الوكيل المحلي” لقوة خارجية، ثم تدّعي الحياد أو الإنكار.
ثالثاً: هل إنهاء النفوذ الأمريكي هدف واقعي أم مجرد طموح؟
هنا بيت القصيد.
هل نحن أمام حلم ثوري، أم أمام مسار استراتيجي قابل للتحقق؟
إذا نظرنا إلى المعطيات ببرود، سنجد أن:
الولايات المتحدة منهكة استراتيجياً:
تعدد الجبهات، صعود الصين، التحدي الروسي، الأزمات الداخلية، كلها تجعل واشنطن أقل استعداداً لحروب طويلة ومكلفة في الشرق الأوسط.
محور المقاومة لم يعد مجرد مجموعات معزولة:
نحن أمام شبكة إقليمية تمتد من غزة إلى لبنان، ومن سوريا إلى العراق، ومن اليمن إلى الخليج، تمتلك:
صواريخ دقيقة
طائرات مسيّرة
قدرات بحرية غير متماثلة
خبرة قتالية تراكمية واكثر من خمسة ملايين مقاتل هم الاكثر تجربة وعقائدية واستعداد للتضحية على وجه البسيطة
حاضنة شعبية تمتد على ساحات المواجهة من بحر قزوين الى المحيط الهندي
البيئة الدولية تغيّرت:
لم تعد أمريكا اللاعب الوحيد. هناك روسيا، الصين، وقوى أخرى لا تريد انفلاتاً أمريكياً في المنطقة، ولا تقبل بانفجار نووي أو فوضى غير قابلة للضبط.
في ضوء ذلك، يصبح السؤال الحقيقي: ليس “هل يمكن؟” بل “كم سيكلف؟ وكم سيستغرق؟”
والمؤشرات كلها تدل على أن محور المقاومة مستعد لدفع الأثمان المطلوبة، كبرت أم صغرت.
فالمسألة بالنسبة له ليست خياراً ظرفياً، بل مساراً استراتيجياً اتُّخذ قرار السير فيه حتى النهاية، مهما كانت كلفته، مع الادراك ان ثمن التراجع هو اضعاف ثمن المواجهة مهما كبر.
وفوق ذلك، فإن المخطط المحكم للمحور — بتشعبه الجغرافي، وتعدد أدواته، وتكامل ساحاته — يجعل نجاح الولايات المتحدة في تركيعه أمراً مستحيلاً، حتى لو لجأت واشنطن إلى الإفراط في استخدام القوة، بما في ذلك الأسلحة غير التقليدية.
فمثل هذا التصعيد، إضافة إلى كونه محاطاً بخطوط حمراء دولية، لن يغيّر في المعادلة الأساسية:
البيئة الإقليمية تغيّرت، والقدرة الأمريكية على فرض نتائج بالقوة تغيّرت، ومحور المقاومة لم يعد ذلك الطرف الذي يمكن إخضاعه بضربة واحدة أو تهديد واحد.
رابعاً: كيف يتم ذلك عملياً؟
إنهاء النفوذ الأمريكي لا يتم ببيان سياسي ولا بضربة واحدة، بل عبر مسار مركّب يقوم على أربع دوائر مترابطة:
استنزاف الوجود العسكري
إضعاف النفوذ السياسي
تغيير البيئة الإقليمية
بناء منظومة تعاون إقليمي
هذا المسار لا يتحقق في سنة أو سنتين، لكنه يتحرك. ومن يراقب جيداً، يرى أن عناصره تتقدم، بينما يتراجع حضور واشنطن من “صانع قرار” إلى “طرف قلق يحاول احتواء الخسائر”.
خامساً: لا شرق أوسط جديد ببنية قديمة
لا يمكن أن تتراجع الهيمنة الأمريكية بينما تبقى الأنظمة التي شكّلت أدوات هذه الهيمنة تعمل بالعقلية نفسها.
أي مشروع إقليمي جديد يتطلب:
إعادة تعريف للأدوار
مراجعة للتحالفات
تحوّلاً في العقل السياسي من “الاستدعاء” إلى “الاستقلال”
بدون ذلك، سيبقى النفوذ الخارجي قادراً على العودة بأشكال مختلفة.
سادساً: صانع السجاد الإيراني… لا يعمل وحده
إيران تدرك أنها لا تستطيع تنفيذ رؤيتها منفردة، كما لا تستطيع أي دولة إقليمية ذلك.
لذلك، تقوم رؤيتها على:
كسر الهيمنة الأمريكية
تغيير عقلية وبنية دول المنطقة
إطلاق تعاون إقليمي حقيقي
عند تحقق هذين الشرطين، يصبح بناء البديل الإقليمي مشروعاً واقعياً، لا شعاراً.
سابعاً: لا هيمنة أمريكية… ولا هيمنة بديلة
إيران لا تطرح نفسها كبديل هيمنة، بل كجزء من إقليم يريد أن يتحرر من الهيمنة أصلاً.
الهدف: استقلال القرار الإقليمي، لا استبدال وصاية بأخرى.
ثامناً: في النظام العالمي الجديد… من يكون حاضراً ومن يكون هامشاً؟
العالم يتغير بسرعة، والشرق الأوسط أمام خيارين:
أن يبقى ساحة صراع
أو يتحول إلى فاعل يفرض شروطه
إيران تراهن على الخيار الثاني، وهذا الرهان ليس بلا خطة.
خاتمة: من يراقب… سيرى
الذين يكتفون بالحديث عن “مخططات أمريكا وإسرائيل” دون أن يروا ما يتغير في المقابل، يعيشون في نصف صورة.
أما النصف الآخر، فهو مشروع إقليمي يتحرك بثبات، لا بضجيج، ويعيد رسم موازين القوى أمام أعين الجميع.
الهيمنة ليست قدراً، والمنطقة ليست بلا مشروع، ومن يملك النفس الطويل… هو من يكتب السطر الأخير.
سائد عساف
٦ اذار ٢٠٢٦
