مع ايران، نعم!
د. طنوس شلهوب (كاتب وأستاذ جامعي شيوعي لبناني)

أنا مع إيران، لا لانني أتبنى شكل نظامها السياسي أو أبرّر كل سياساته، بل لأنني أنظر الى موقعها في البنية الإمبريالية. المسألة، في جوهرها، ليست مذهبية ولا ثقافية، بل صراع بين مركز إمبريالي يسعى إلى إعادة إنتاج هيمنته، وطرف يحاول توسيع هامش سيادته وفك تبعيته.

النظام الرأسمالي العالمي ليس ساحة تبادل متكافئ، بل منظومة تفرض على الأطراف دورا محددا: تصدير المواد الخام، استيراد السلع المصنعة، والخضوع لمنظومة مالية وتكنولوجية يتحكم بها المركز. حين يحاول بلد طرفي أن يعيد توجيه موارده لبناء قاعدة صناعية، أو أن يطور قدراته الدفاعية، أو أن ينسج تحالفات خارج المدار الأطلسي، فإنه يصطدم حتما بآليات الضبط: العقوبات، الحصار، الشيطنة الإعلامية، وأخيرا التهديد أو العدوان.

ما يُسمى «المجتمع الدولي» ليس إلا التعبير السياسي عن كتلة تاريخية مهيمنة، بالمعنى الغرامشي، تُحسن الجمع بين القوة والإقناع. هذه الكتلة لا تكتفي بالردع العسكري، بل تبني خطابا أخلاقيا عن «الديمقراطية» و«حقوق الإنسان» لتبرير إخضاع كل من يحاول كسر قواعد اللعبة. وحين يُعاد إنتاج صورة إيران كـ«خطر مطلق مصدّر للإرهاب »، فإن ذلك يخدم وظيفة أيديولوجية: تحويل الصراع البنيوي إلى مسألة ثقافية أو دينية.

وليس التواطؤ الغربي حكرا على واشنطن. فالعواصم الأوروبية وأوتاوا لا تقف في موقع الوسيط المحايد، بل في موقع الشريك البنيوي داخل المنظومة الأطلسية. العقوبات، الغطاء الدبلوماسي، إعادة إنتاج الخطاب الأمني ذاته — كل ذلك يكشف أن ما يُسمّى «القلق الأوروبي» ليس سوى لغة لسياسة واحدة: منع أي طرف من توسيع هامش استقلاله. إن أوروبا التي تتحدّث عن القانون الدولي، وكندا التي تتغنى بالتعددية، تنخرطان عمليا في منظومة الردع وفي تبرير العدوان والعمل العسكري حين يتعلّق الأمر بتحدّي مركز النظام العالمي.

أما تواطؤ الانظمة العربية والخليجية، فلا يُفهم إلا من خلال موقعها البنيوي. فالأنظمة الريعية المرتبطة بالسوق العالمية تشكّل جزءا من الكتلة التابعة، وتجد في المظلة العسكرية الأميركية ضمانة لاستمرارها. أي تجربة إقليمية تحاول توسيع هامش الاستقلال تشكل تهديدا لها، لأنها تفضحها عندما تطرح سؤالا: هل يمكن كسر معادلة التبعية؟

معيار العداء الإمبريالي ليس علمانية النظام أو تدينه. لقد تحالف المركز الإمبريالي تاريخيا مع أنظمة محافظة ودينية حين كانت مندمجة في بنيته، وعادى أنظمة علمانية حين خرجت عن طاعته. المسألة ليست في شكل النظام السياسي، بل في موقع الدولة من سلاسل التبعية. لذلك فإن اختزال الصراع في «ثيوقراطية» مقابل «حداثة» هو تضليل يخفي جوهر النزاع: من يملك القرار السيادي في توجيه الفائض الوطني؟

قد تكون التجربة الإيرانية مثقلة بتناقضاتها الطبقية الداخلية، وهي لا تمثل نموذجا اشتراكيا، لكن الصراع الدائر حولها يتجاوز هذه الحدود. إنه صراع على حقّ بلد طرفي في أن لا يبقى طرفا تابعا إلى الأبد.

لا يمكن فهم شدة الاستهداف من دون التوقف عند موقع إيران من القضية الفلسطينية. فمنذ عقود، اختارت الوقوف في الضفة المقابلة لمسار التطبيع والاندماج في المنظومة الإقليمية التي ترعاها واشنطن. دعمها الثابت لفلسطين — سياسيا وماديا — وضعها في مواجهة مباشرة مع الكيان الغاصب، أحد أعمدة النظام الإمبريالي في المنطقة. هنا يتقاطع البعد الجيوسياسي مع البعد الرمزي: ففلسطين ليست قضية حدود، بل عقدة الهيمنة ذاتها. ومن يرفض التسليم بشرعية الأمر الواقع هناك، إنما يطعن في بنية النظام الإقليمي برمّته.

في مواجهة العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وقف الشيوعيون مع عبد الناصر ضد بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، رغم أن النظام كان يلاحقهم ويسجنهم. هذا الانحياز يُقاس بمبدأ أساسي: مواجهة العدوان وحماية الاستقلال.

أنا مع إيران، ببساطة، لأن الشيوعي يقف في خندق الشعوب حين تتعرض للعدوان الإمبريالي، حتى وهو يحتفظ بحقه في نقد البنى الطبقية الداخلية لتلك المجتمعات. الانحياز هنا ليس انحيازا لسلطة، بل انحياز إلى مبدأ: أن التناقض الرئيسي في لحظة العدوان هو بين الهيمنة والاستقلال، بين المركز الذي يفرض إرادته بالقوة، والطرف الذي يحاول أن ينتزع حقه في تقرير مصيره.

الاستقلال ليس جريمة. والجريمة الحقيقية هي أن يُعاقَب من يرفض الانحناء.

الوطن او الموت… سننتصر.