العنصر الأهم في الهجوم على إيران

إبراهيم علوش

يتساءل المراقبون، بينما تتجمع نذر الحرب في منطقتنا: ما هي فرص تجدد العـ.ـدوان الأمريكي على إيران؟ وإذا وقع، ما هي فرص نجاحه؟ وكيف ستكون عواقبه إيرانياً وإقليمياً، إذا نجح وإذا فشل؟

وهل يكون عـ.ـدواناً مستطيلاً بغرض إطاحة النظام، أم أن العـ.ـدوان سيقتصر على تحقيق الهدف التفاوضي للتحشيد العسكري ذاته: اجتثاث برنامجي إيران الصاروخي والنووي، وتحجيم حـ.ــ.ـرس الـ.ـثـ.ـورة ، بما يفرض على إيران التقوقع، وبما يتيح للكيان الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني أن يتمدد ويحقق مشروعه في الإقليم سياسياً، أو جغرافياً، أو الاثنين معاً؟

يمكن اختزال الإجابة على كل تلك الأسئلة في مسألة تقنية محددة من وجهة نظر البنتاغون، وهي: ما هو العنصر الأهم عسكرياً لنجاح أي ضربة جديدة على إيران؟

وذلك أن محاولة زعزعة إيران سياسياً بـ “ثورة ملونة” من الداخل، نهاية العام الفائت وبداية العام الجاري، فشلت فشلاً ذريعاً، على الرغم من محاولة إعادة إذكائها عبر الجامعات الإيرانية في الأيام الأخيرة.

لم يتبقَ إذاً إلا الخيار العسكري، ما دامت القيادة الإيرانية ترفض المساومة على سيادة البلاد ومقدراتها، وما دامت تأنف الاسترخاء للهيمنة الأمريكية والعدو الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني محلياً وإقليمياً.

لكنّ الخيار العسكري من منظور البنتاغون، ومن منظور فون كلاوزفيتز، لا ينبثق من اعتبارٍ مبدئي يتطلب خوضه بغض النظر عن التكلفة، كما هي الحال بالنسبة لمن يدافع عن وطنه مثلاً، بل يُدرس ذلك الخيار من منظور جدواه، أي من منظور قدرته على تحقيق الهدف المحدد الذي وضع على الطاولة لتحقيقه أصلاً.

وليس ذلك الهدف سوى إخضاع القيادة الإيرانية سياسياً، أسوةً بما حدث في فنزويلا عشية اختطاف الرئيس مادورو وزوجته بعد تهويل وحشد عسكريين أقل بكثير في البحر الكاريبي مما جرى حشده أمريكياً شرقي المتوسط ضد المـ.ـقـ.ـاومـة في غزة عشية 7 أكتوبر، أو ضد اليمن في البحر الأحمر عشية انخراطه المظفر في معركة “طـ.ـوفـ.ـان الأقـ.ـصى”، أو ضد إيران حالياً، وتبقى العبرة في وجود الإرادة السياسية أو في غيابها.

وما دامت القيادة الإيرانية لم تخضع للابتزاز، وما دام التحشيد العسكري لم يفتّ في عضدها، فإن الخيار العسكري يصبح مطروحاً بصورةٍ أكبر. ويصبح السؤال بعدها، من وجهة نظر من يعدونه ضرورياً لتحقيق أهداف السياسة الأمريكية: بأي مقدار يتوجب استخدامه، وبأي مدى، زمنياً ونارياً، كي يكون فعّالاً؟

وإلا، فإن استخدامه من دون تحقيق هدف الإخضاع، أو من دون “تغيير النظام”، يحوّله إلى نمرٍ من ورق، ويترك القيادة الإيرانية في موقع المنتصر سياسياً، حتى لو تعرضت إيران إلى خسائر جسيمة خلال القـ.ـتـ.ـال.

يمثل الآتي قراءة سريعة في العقل الاستراتيجي الأمريكي بشأن فعالية أي ضربة عسكرية أمريكية على إيران:

بحسب عدد من الخبراء في موقع “بوليتيكو”، في 24/2/2026، فإن التحييد الفوري لأنظمة الدفاع الجوي وشل القدرات الصاروخية الإيرانية يمثل العامل الأهم في نجاح أي ضربة مؤثرة على إيران. الفكرة، طبعاً، هي منع إيران من الدفاع عن نفسها أو من الرد على العـ.ـدوان بصواريخها أو بمسيراتها.

وبحسب مواقع شتى الصيف الفائت، فإن إيران استلمت منظومة أس-400 روسية وسلسلة HQ الصينية للدفاع الجوي. وسبق أن ذكرت تقارير إعلامية قبل 10 أيام أن إيران أجرت أول اختبار ميداني تشغيلي لمنظومة أس-400 قرب أصفهان.

كذلك، يشير موقع “ميليتري واتش” الأمريكي، في 22/2/2026، أن إيران نشرت منظومة دفاع جوي أس-300 قرب العاصمة طهران، وفي أصفهان.

تشكل حماية منظومات الدفاع الجوي الإيراني إذاً، وأنظمة الرادار، ومراكز السيطرة والتحكم، والبنية التحتية للأمن السيبراني، عناصر رئيسة في تحديد مدى فعالية أي ضربة أمريكية على إيران، أو فعالية صدها.

وتشكل القدرة على تجاوز تلك المنظومات العنصر الأول في تحديد مدى فعالية أي ضربة لإيران، وبالتالي في تحديد جدواها عسكرياً.

كما تشكل القدرة على شل منظومات إيران الصاروخية، وأساطيل طائراتها المسيرة، العنصر الثاني في تحديد مدى فعالية أي ضربة لإيران، لأن صواريخ إيران ومسيراتها تحدد قدرتها على الرد. وكلما ازدادت قدرتها على الرد، كلما أصبح العـ.ـدوان أكثر كلفةً، والعكس بالعكس.

وكلما أصبح أكثر كلفةً، أي كلما ازدادت قدرة إيران على استهداف منصات العـ.ـدوان وحواضنها، كلما أصبح العـ.ـدوان أقل جدوى وقلّ احتمال وقوعه. وكلما شعر القائمون على العـ.ـدوان أنهم يستطيعون تحييد صواريخ إيران ومسيراتها، وبالتالي أنهم قادرون على مهاجمتها بتكلفة أدنى بالنسبة إليهم، كلما أصبح العـ.ـدوان أكثر جدوى، وازداد احتمال وقوعه.

يضاف إلى ذلك عنصر الزمن، أي أن إيران إذا كانت قادرة على مواصلة الرد على العـ.ـدوان فترة زمنية أطول، فإن ذلك يرفع تكلفته ويقلل من احتمال وقوعه، والعكس بالعكس إذا كان الرد سيكون مختصراً، من دون أن تكون قادرة على مواصلته. وتتحدد القدرة على مواصلة إطلاق الصواريخ والمسيرات بالآتي:
1 – مخزون إيران منها. ويقدر موقع “إيران واتش” القريب من دوائر الاستخبارات في واشنطن، في تقريرٍ له في 26/1/2026، أن إيران لديها 3000 صاروخ بالستي، يرى البعض أنها أقرب إلى 1500-2000، زائداً مخزوناً متزايداً من صواريخ كروز والصواريخ الفرط صوتية.
2 – مدى انتشارها جغرافياً. ويقدر موقع JINSA التابع للوبي الصـ.ـهـ.ـيـ.ـوني في الولايات المتحدة، في تقريرٍ له في 18/2/2026، أن صواريخ إيران ومسيراتها تنتشر عبر الجغرافيا الإيرانية في “مدنٍ صاروخية” عميقاً تحت الأرض، الأمر الذي يصعّب استهدافها، مع وجود بعض أهم تلك “المدن” في جبال زاغروس، والمناطق المحاذية لشواطئ الخليج. لكنّ توزعها جغرافياً يتطلب قوة نارية وجوية أكبر لتعطيل إمكانية الرد.
3 – قدرة إيران على الاستمرار بإنتاج الصواريخ والمسيرات بسرعة كافية وتحت النار. ويقدر تقرير موقع “إيران واتش” المذكور آنفاً ذاته أن إيران تعافت من الضرر الذي أصاب البنية التحتية لإنتاج الصواريخ والمسيرات في عـ.ـدوان حزيران / يونيو 2025، ورممت قدراتها الإنتاجية بسرعة، مركزةً على الإنتاج الكبير وزيادة دقة صواريخها. والسؤال الآن هو: هل تستطيع الاستمرار بذلك تحت النار؟

تتلخص المسألة هنا إذاً بمدى قدرة البنتاغون على استهداف: منصات الإطلاق، ومرافق التخزين، ومنشآت الإنتاج. وتتلخص، في المقلب الآخر، بمدى قدرة إيران على حماية كلٍ من تلك العناصر، الأمر الذي يعيدنا إلى منظومات الدفاع الجوي أيضاً كخط دفاع أول.

يعيدنا ذلك أيضاً إلى التساؤل عن مدى قيام إيران بترميم أي ثغرات انكشفت في حرب الـ 12 يوماً الصيف الفائت من حيث: أ – تعزيز التحصينات وتعميقها، ب – تشتيت بنك الأهداف المحتمل جغرافياً، جـ – تطوير منظومة الدفاع الجوي الإيرانية، و د – سد أي ثغرات أمنية في شبكات الاتصال التي تستخدمها الفروع المختلفة للقوات المسلحة.

وتتلخص المسألة، في المحصلة، بتقييم البنتاغون لمدى قدرة إيران على سد الثغرات التي برزت في عـ.ـدوان الصيف الفائت. فإذا قرر البنتاغون أن إيران تجاوزتها، أو إذا لم يكن قادراً على التأكد إن كانت قد تجاوزتها أم لا، فإن ذلك يقلل احتمال العـ.ـدوان، والعكس بالعكس.

تؤدي القدرات السيبرانية هنا دوراً رئيساً في تعمية الرادارات، وتعطيل الأنظمة الصاروخية ومنظومات الدفاع الجوي. عسى أن تكون إيران قد عملت على تطوير دفاعاتها السيبرانية وارتقت بها.

سيجرى كذلك استهداف مراكز السيطرة والتحكم التابعة لحـ.ــ.ـرس الـ.ـثـ.ـورة ، ولا سيما أن الحـ.ــ.ـرس يسيطر على المخزون الاستراتيجي من الصواريخ. لذلك، عسى أن تكون تلك المراكز قد جرى تمويهها أو تحصينها أو الاثنين معاً بصورة كافية.

يتحدد بنك أهداف أي عـ.ـدوان، في النهاية، من خلال فعاليات حثيثة استطلاعية واستخباراتية. وتستند تلك الفعاليات بالضرورة إما إلى موارد تقنية أو بشرية أو الاثنين معاً. ويحتاج استهداف المواقع المحصنة عميقاً في الأرض إلى معلومات محدثة ودقيقة دوماً. فإذا كان بنك الأهداف فقيراً، وطبيعة ما يجري استهدافه غير مؤكدٍ، فإن جدوى أي عملية عسكرية يصبح موضع شك.

لذلك، فإن خط الدفاع الأول ضد القاذفات التي تمتلك قدرات شبحية، مثل الـ B-2، وضد الذخائر الثقيلة القادرة على استهداف التحصينات، مثل قنابل GBU-57، هو الحس الأمني، ومنظومات اكتشاف الاختراقات المعادية بشرياً وتقنياً، أي أن فعالية المنظومات الأمنية الإيرانية تؤدي دوراً رئيساً في تحديد القدرات الردعية الإيرانية، وبالتالي في تحديد جدوى العـ.ـدوان على إيران من عدمه.

سوف تعتمد أي ضربة على إيران، في العقيدة العسكرية الأمريكية، و”الإسرائيلية”، على اليوم أو الأيام الأولى، التي قد تشن فيها موجات أولية سريعة وعارمة وساحقة من الجو والبحر، بحسب تقرير لـ “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى” نشر في موقعه في 30/1/2026، من أجل شل فعالية أي أنظمة متنقلة قبل أن يجري تحريكها أو إخفاؤها، ونضيف، من أجل الأثر النفسي أيضاً.

فإذا تمكنت إيران من استيعاب تلك الموجة، ومن الحفاظ على أصول عسكرية كافية لمواصلة القـ.ـتـ.ـال بفعالية من بعدها، كي تمارس حقها المشروع في الرد، وكي تكبد المعتدين خسائر باهظة، فإن جدوى الحملة عليها يصبح موضع شكٍ وتساؤل في البنتاغون.

أخيراً، انتبهوا جيداً إلى ناقلات KC-135 و KC-45، والتي تعد بالغة الأهمية لشن حملة جوية حملة جوية مستدامة وواسعة النطاق، وخصوصاً عندما تنطلق تلك الحملة من قواعد بعيدة يصعب استهدافها إيرانياً. فإذا جرى استهداف طائرات التزويد بالوقود في الجو، في مرابضها أو بأي طريقة ممكنة، ولو بعمليات كوماندوز على الأقدام، فإن ذلك يمثل كعب آخيل الذي سوف يضعف بالضرورة أي حملة جوية على إيران.